محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
104
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
شكله ومضمونه والمنقول في الكتاب السماوي يتعالى على كل الكفاءات اللغوية المتحقّقة سابقا أو القابلة للتحقّق لاحقا في اللغات البشرية . وبالتالي ، فإنه يتعالى على كل الاستخدامات البشرية للفكر ( أو يتجاوزها ، أو يتخطاها ) . ينتج عن ذلك أن العقل المجبول بهذا الكلام هو أيضا أبدي أو غير مخلوق ، وبالتالي فوق التاريخ أو يتجاوز التاريخ . أي أنه يفلت من التاريخية ويتخطاها . وهذا العقل ظل مهيمنا طيلة قرون عديدة على الأنظمة اللاهوتية والميتافيزيقية الكلاسيكية . صحيح أنه قد يعترف ب « تعدّدية الفلسفات من حيث المبدأ » ، إنما مع المحافظة على مبدأ « وحدة الحقيقة » وعن طريق الخضوع ل « معيار الموضوعية التي تتجاوز كل عقل أو كل عقلانية » « 1 » . لن نستطيع استنفاد هذه المناقشة المهمّة هنا أو إيفاءها حقّها . فهي تتطلّب معالجات طويلة ومعقدة . ولكن الشيء الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه هو التالي : سوف يكون من العبث ، بل ومن الخطر اجتماعيا وسياسيا ، أن نحسم مسألة الموقف من ظاهرة الوحي في المناخ الإسلامي عن طريق التصديق على إحدى الفرضيتين المتصارعتين والمتمثّلتين إما بتاريخية العقل المشكّل من قبل الوحي وإما بلا تاريخيته . ولذا فسوف نتّبع بالأحرى طريقا آخر ، ألا وهو استخدام مثال القرآن من أجل إغناء مناقشة صعبة . لا توجد حتى الآن أي دراسة تطبق علم القواعد التوليدية « * » على اللغة العربية . وبالتالي ، لا نستطيع أن نعالج بشكل مفيد مسألة الكفاءة اللغوية التي تفترضها الإنجازات اللغوية القرآنية ( أو العبارات القرآنية ) . في المقابل ، كنا قد استكشفنا في مقالات عديدة سابقة بعض السمات المميّزة للنظام الفكري الذي يتحكّم بالخطاب القرآني « 2 » . ونحن نزمع مواصلة البحث والتحرّي داخل الإطار الأوسع لكتاب كامل . لنكتف هنا بإضافة بعض الملاحظات التي تتيحها لنا قراءة الآيات السابقة التي استشهدنا بها . بعد قراءة الآيات عن كثب نلاحظ انبثاق المطلب النقدي الذي يمارس نفسه من خلال
--> ( 1 ) انظر : كتاب المستشرق الفرنسي لويس غاردية : دراسات في الفلسفة والتصوف المقارن . : L . Gardet . 19 - 16 . pp ، 1972 ، J . Vrin ، comparees mystique de et philosophie de Etudes * علم القواعد التوليدية : generative grammaire La هو من اختراع المفكّر الأمريكي نعوم شومسكي ومجموعة علماء الألسنيات الباحثين في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا . . M . I . T وضمن هذا المنظور فإن علم القواعد هو عبارة عن آلية محدودة بمجموعة قواعد ولكنها قادرة على توليد عدد لا محدود من العبارات أو الجمل . ولهذا السبب دعي بعلم النحو التوليدي أو علم القواعد التوليدية . والجنس البشري ، تمييزا له عن بقية الأجناس الأخرى ، يمتلك بنيات كونية فطرية تتيح للطفل تعلّم اللغة واكتساب نحوها وصرفها بشكل تدريجي منذ الصغر . ( 2 ) انظر : دراستينا « قراءة سورة الفاتحة » في هذا الكتاب ، و « كيف نقرأ القرآن ؟ » المنشورة في كتابنا ( بالفرنسية ) : قراءات في القرآن ، مصدر مذكور سابقا : : in ( ( ؟ Coran le lire Comment ) ) : M . Arkoun . . op . cit ، Coran du Lectures