محمد أحمد خلف الله
96
الفن القصصي في القرآن الكريم
وكذلك الحالات النفسية الخاصة كحلم إبراهيم وسرعة انفعال موسى إذ أقرب المواطن إلى درسها هو الحديث عن عنصر الشخصيات . سنقصر الحديث هنا على النواميس النفسية والاجتماعية وأعتقد أن قد آن الأوان للتمييز بين اللونين ليتّضح في ذهن القارئ المراد . نقصد بالنواميس الاجتماعية تلك النظريات التي أشار إليها القرآن أو لفت إليها الذهن حين صوّر العوامل المؤثّرة في رقي الأمم وحياة الشعوب والتي جعلها من الأحكام العامة حتى لنحس من صنيعه بأنها من النواميس التي لا تتخلّف في زمان أو مكان وذلك من أمثال ما تشير إليه الآية الكريمة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ « 1 » من نواميس إذ هي تشير أولا إلى أن الأمم والجماعات في حاجة إلى الرجال ، في حاجة إلى الأبطال النابغين الذين يأخذون بيدها وينيرون لها السبيل ، في حاجة إلى الذين يتفهّمون رغباتها وآمالها أو أحلامها وأمانيها ، في حاجة إلى الذين يعبّرون عن احتياجاتها ويصوّرون لها مثلها العليا ، في حاجة إلى الذين يأخذون بيدها دائما حتى لا تثقلها التقاليد أو تنوّمها العادات وحتى لا تقف جامدة حيث يتقدّم غيرها في مضمار السباق في هذه الحياة . ثم هي تشير ثانيا إلى أن هؤلاء الأبطال أو القادة يكونون مثار فرقة ومصدر انقسام ذلك لأن الأفراد يختلفون فيما بينهم فطرة واستعدادا ومن هنا يختلفون على الرأي بين مؤيّدين ومعارضين وعلى المبادئ بين مؤمنين وكافرين حسب ما يحيط بهم من أحداث وما يستثار في أنفسهم من عواطف وانفعالات . ومن أمثال ما تشير إليه هذه الآية أيضا وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا « 2 » . إذ تشير الآية الكريمة إلى ناموس آخر هو أن الأمة التي تستعصي على التجديد تهلك ولا تعمر في الحياة طويلا .
--> ( 1 ) سورة البيّنة ، الآيات 1 - 4 . ( 2 ) سورة الإسراء ، الآيتان 76 - 77 .