محمد أحمد خلف الله

71

الفن القصصي في القرآن الكريم

قصصها مع السماح لكم بجعلها قصصا مفتراة من حيث موضوعها » « 1 » . التحدي إنما يقوم كما رأيت على قوة التأثير وسحر البيان ومن هنا لا نستطيع أن نعد هذه الأخبار التي جاءت في القصص القرآني إحدى المعجزات . أما إن هذه الأخبار قد أفادت كثيرا في الإيحاء بنبوة النبي عليه السلام وصدق رسالته فهو الأمر الذي لا ننكره بل نقر به ونؤكّده لكن على أساس أن قوة هذا الإيحاء إنما تقوم على ذلك الرأي الديني اليهودي الذي كانت تدين به الجماعة والذي لا يلزم حتما أن تكون هذه الأخبار من التاريخ فقد كان يكفيه منها أن تكون مما يعرفه اليهود أو تعرفه العرب كما سنرى بعد لحظات . هذه الوقفات الطويلة وهذا التفكير المستمر جعل العقل الإسلامي يقرّر أخيرا في قوة أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن وأن التمسّك بالخطر أي خطر على النبي عليه السلام وعلى القرآن بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة . جاء في الرازي : « واعلم أن هذا الكلام - قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 2 » - يحتمل وجوها : الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو الحكاية نفسها بل أمور أخرى مغايرة لها » « 3 » . وجاء في غرائب القرآن للنيسابوري عند تفسيره للآية السابقة : « وذلك إنما حملهم على التكذيب أولا وآخرا وجوه منها أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس ليعرف المكلّف أن الدنيا ليست مما يبقى فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون ألا يكون كقوله عز من قائل لَقَدْ كانَ

--> ( 1 ) المنار ، ج 1 ، ص 194 . ( 2 ) سورة يونس ، الآية 39 . ( 3 ) الرازي ، ج 4 ، ص 591 .