محمد أحمد خلف الله
66
الفن القصصي في القرآن الكريم
نوحا عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها » « 1 » . ( 3 ) وبان للعقل الإسلامي أن هذه المحاورة التي يصوّرها القرآن الكريم قائمة بين المولى سبحانه وتعالى وبين عيسى عليه السلام في آخر سورة المائدة لا تفهم على ظاهرها ولا تفسّر على أنها قد وقعت حقا وأنها لا يمكن أن تكون إلا التصوير الأدبي الذي يقصد منه إلى توبيخ النصارى المعاصرين لمحمد عليه السلام . جاء في كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن ما يلي : « مسألة . وربما قيل في قوله تعالى وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ « 2 » . كيف يصح ذلك وعيسى لم يقل ذلك للناس ؟ وكيف يصح أن يقول وإذ قال اللّه وذلك يخبر به عن الماضي ولم يتقدم ذلك منه تعالى في الدنيا ؟ وجوابنا أن ذلك من اللّه تعالى على وجه التوبيخ والتقريع لمن قال ذلك وقد يجوز من الحكيم أن يخاطب بذلك متهما بفعل ليكون ردعا وتوبيخا لمن فعل واللّه تعالى عالم بالأمور ولا يصح الاستفهام عليه فالمراد ما ذكرنا فقد كان فيهم من يزعم أن عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم أمرهم بأن يتخذوا إلهين فيعبدوهما ويطيعوهما كطاعة المرء للّه ولذلك قال بعده إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ « 3 » . ( 4 ) وبان للعقل الإسلامي أن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول اللّه في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ « 4 » لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقا عن اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي أنطقهم به ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول اللّه وهم لم يسلموا بهذا ولو سلموا بها لأصبحوا مسيحيين ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان العداء ولما كان قتل وصلب . إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب وينكرون
--> ( 1 ) الرازي ، ج 8 ، ص 232 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 116 . ( 3 ) تنزيه القرآن عن المطاعن ، ص 115 ، نفس السورة والآية . ( 4 ) سورة النساء ، الآية 157 .