محمد أحمد خلف الله
67
الفن القصصي في القرآن الكريم
عليه أنه رسول اللّه ويذكرونه بالشر ويقولون إنه ابن زنا وأن أمه زانية . يقول اليهود كل هذا وأكثر منه ومن هنا لم يستطع العقل الإسلامي أن يسلم بأن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول اللّه قد صدر حقا عن اليهود ولجأ العقل الإسلامي في هذا الموقف إلى المذهب الفني فأفاده . جاء في الكشاف عند تفسيره لهذه الآية : « فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه السلام أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة فكيف قالوا إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه قلت قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون . ويجوز أن يضع اللّه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعا لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيما لما أرادوا بمثله كقوله لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً « 1 » . ( 5 ) وبان للعقل الإسلامي أنه لا يستطيع أن يتصوّر مساعدة الملائكة للمسلمين في غزوتي بدر وأحد اللهم إلا أن يكون حديث القرآن عن ذلك حديث من يأخذ الناس بعقائدهم تقوية للروح المعنوية وبثا للأمل القوي بالانتصار السريع في النفوس . جاء في المنار : « وأنكر أبو بكر الأصم قتال الملائكة وقال : إن الملك الواحد يكفي في إهلاك أهل الأرض كما فعل جبرائيل بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو يوم بدر فأي حاجة إلى مقاتلة الناس الكفار ؟ وبتقدير حضوره أي فائدة في إرسال سائر الملائكة ؟ وأيضا فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم . وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أو لا ؟ وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ولم يقل أحد بذلك ولأنه خلاف قوله وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ « 2 » ولو كانوا في غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك البتة . وعلى الثاني كان يلزم جز الرؤوس وتمزّق البطون وإسقاط الكفار من غير مشاهدة فاعل ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق
--> ( 1 ) الكشاف ، ج 5 ، ص 281 ، سورة الزخرف ، الآية 10 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية 44 .