محمد أحمد خلف الله

58

الفن القصصي في القرآن الكريم

هارُونَ « 1 » فلا شك أن محمدا توهّم أن مريم أخت هارون التي كانت أيضا ابنة عمرام « أي عمران » هي مريم نفسها التي صارت أم يسوع . المسيح عيسى . بعد ذلك بنحو ألف وخمسمائة وسبعين سنة . وهذا القول يشبه الرواية الواردة في الشاهنامه . . . إلخ . وربما كان سبب هذا الغلط أنه ورد في إحدى خرافات اليهود كلام بخصوص مريم أخت هارون نصه أن ملاك الموت لم يتسلّط عليها ، بل ماتت بقبلة إلهية ولم يتسلّط عليها الدود ولا الحشرات . وعلى كل حال فهذا خطأ جسيم لأنه لم يقل أحد من اليهود أن مريم هذه بقيت على قيد الحياة إلى أيام المسيح « 2 » . هذه الأقوال وكثير غيرها قصد إليها المبشّرون والملاحدة ليثبتوا للناس أن القرآن من عند محمد لأنه لو كان من عند اللّه لما وجدت فيه هذه الأخطاء التاريخية . وهذه الأقوال وكثير غيرها إنما كانت لأن المسلمين أنفسهم قد حرصوا الحرص كله على فهم القصص القرآني على أساس من التاريخ ولو أنهم أعرضوا عن هذا الأساس وحاولوا فهم القرآن على أساس من الفن الأدبي أو البياني البلاغي لأغلقوا هذا الباب الذي جاءت منه الريح ولسدوا على المشركين والمبشّرين السبل وحالوا بينهم وبين الطعن في النبي عليه السلام وفي القرآن الكريم . ( ب ) أما الرأي الثاني فهو رأي المسلمين وهم يؤمنون بهذا المقياس ويعتقدون بصحّته ويرون أن ورود هذه الأخبار في القصص القرآني إنما هو دليل النبوة وعلامة الرسالة وأنه لولا الوحي لما عرف النبي الأمي هذه الأخبار مع أنه لم يقرأ في كتاب ولم يتتلمذ على من قرأ في كتاب . وإيمان المسلمين بهذا المقياس لم يكن وقفا على عصر النبوة وإنما امتد به الزمن حتى شمل الأعصر الإسلامية من لدن البعثة المحمدية إلى وقتنا هذا . وحتى أصبح عنصرا مهما من العناصر المكوّنة للعقلية الإسلامية يهتز باهتزازها ويتأثر بما تتأثر به من تيارات فكرية تتعاقب عليها بتعاقب السنين والأعوام .

--> ( 1 ) سورة مريم ، الآيتان 27 - 28 ( 2 ) مصادر الإسلام ، ص 102 - 104 .