محمد أحمد خلف الله
59
الفن القصصي في القرآن الكريم
وإيمان المسلمين بهذا المقياس جعل المفسّرين منهم يصدرون في فهمهم للقصص القرآني وتفسيرهم له عن ثقافة تاريخية لا ثقافة فنية أدبية ومن هنا لم تسلم لهم الخطى وقامت في وجوههم العقبات فوقفوا وأطالوا الوقوف لعل الطريق أن تسلم ولعل الفهم أن يستقيم ولكن شيئا من ذلك لم يكن اللهم إلا في بعض المواطن التي رجعوا فيها إلى الحق والتي أقاموا فيها فهمهم للقصص القرآني على أسس من البلاغة والفن الأدبي تلك الأسس التي تجعل الأحداث القصصية مكانها الأول في الشرح والتفسير ولا تجعل للمواد التاريخية إلا مقاما ثانويا أو لا مقام على الإطلاق . والمواقف التي وقف عندها المفسّرون لتسلم لهم الطريق ويستقيم الفهم كثيرة متنوعة ونستطيع أن نعرض عليك بعضا منها لتستبين إلى أي حد كان يتعثر هؤلاء المفسّرون . أولا - الإشارات التاريخية : وقف المفسّرون وقفة طويلة عند هذه الإشارات التاريخية التي جعلها القرآن مادة أدبية في بناء القصة القرآنية وهي إشارات قد قصد القرآن إلى إبهامها أو إلى إبهام مقوّماتها التاريخية . وقصد القرآن إلى ذلك إنما يفسّر بحالة من حالتين : يفسّر بأن القرآن قد أبهم هذه المقوّمات لأن المعاصرين للنبي عليه السلام ولنزوله كانوا يعرفون ما وراء هذا الإبهام من ثقافة تاريخية . كما يفسّر بأن القرآن قد عمد إلى تنحية التاريخ عن ميدان القصة القرآنية ليتجه العقل البشري منذ اللحظة الأولى إلى ما هو المقصود من أقاصيص القرآن من عظة وعبرة ومن إرشاد وهداية ومن إنذار وبشارة . أبهم القرآن مقوّمات التاريخ في قصصه فأبهم الزمان والمكان وأبهم في كثير من المواطن الصفات المميّزة للأشخاص . واختار من الأحداث التاريخية بعضا دون بعض . صنع القرآن كل هذا أو أحسّ المفسّرون منه بهذا الصنيع وشعروا بأن الفهم التاريخي للقصص القرآني لن يستقيم حتى يذهب هذا الغموض التاريخي وحتى يذهب ما قصد إليه القرآن من إبهام ومن هنا رأيناهم يعمدون إلى الثقافة التاريخية وإلى الإسرائيليات بل رأيناهم أحيانا يعمدون إلى الفروض النظرية الصرفة لعل واحدة منها أو كلها مجتمعة أن تزيل عن القصص القرآني ما به من غموض أو إبهام تاريخي .