محمد أحمد خلف الله
53
الفن القصصي في القرآن الكريم
الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ « 1 » . وقال في ختامه لقصة نوح تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ « 2 » . والظاهرة التي يحسن بنا الالتفات إليها في هذا المقام هي أن القرآن حين جعل هذه الأخبار من آيات النبوة وعلامات الرسالة جعلها أيضا مطابقة لما في الكتب السابقة أو لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار حتى ليخيّل إلينا أن مقياس صدقها وصحّتها من الوجهة التاريخية ومن وجهة دلالتها على النبوة والرسالة أن تكون مطابقة لما يعرفه أهل الكتاب من أخبار . قال تعالى بعد ذكره لقصة يوسف لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ « 3 » . وقال تعالى بعد ذكره لقصة موسى وفرعون فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ « 4 » . واعتماد القرآن على هذا الرأي الديني اليهودي أو على هذا المقياس خلف في الجو في عصر النبوة وما تلاه رأيين مختلفين : ( أ ) الرأي الأول رأي المشركين والكفار من أهل مكة فإن هؤلاء مع معرفتهم لهذا المقياس من طريق وفدهم إلى أحبار اليهود بالمدينة لم يستطيعوا التسليم بما ترتّب عليه من نتائج فلم يؤمنوا بصدق النبي عليه السلام أو بصحة رسالته اعتمادا على هذه الأخبار الواردة بالقصص القرآني وليس يرجع ذلك إلى أن هذه الأخبار لا تتفق ومعارفهم التاريخية فيظهر أنها كانت تتفق وما يعرفون أو تجري وهذه المعرفة في نسق . وإنما يرجع ذلك فيما
--> ( 1 ) سورة القصص ، الآيات 44 - 46 . ( 2 ) سورة هود ، الآية 49 . ( 3 ) سورة يوسف ، الآية 111 . ( 4 ) سورة يونس ، الآية 94 .