محمد أحمد خلف الله

54

الفن القصصي في القرآن الكريم

هو الواضح من آيات القرآن الكريم إلى أن المشركين كانوا يعتقدون أن الوقوف على أمثال هذه الأخبار الواردة في القصص القرآني ليس شاقا ولا عسيرا فضلا عن أن يكون مستحيلا حتى يصبح معجزا ومن هنا ذهبوا إلى أن محمدا عليه السلام يكتتب هذه الأخبار وأنها ليست من الوحي وأن الذي يعلّمه إياها بشر . قال تعالى وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا « 1 » وقال تعالى وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ « 2 » بل ذهبوا إلى أبعد من هذا فذهبوا إلى أنهم يستطيعون الإتيان بمثل هذه الأساطير . ولقد صوّر القرآن قيلهم وصوّر صنيعهم . فقال تعالى مصوّرا هذا القيل وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 3 » . وقال تعالى مهددا أولئك الذين يعارضون النبي والقرآن وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ . . . « 4 » . وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 5 » . ويفهم المفسّرون هذا الصنيع من المعارضة وإنهم ليذكرون لنا أن قريشا كانت تستملح هذه الأحاديث حتى لتنصرف عن النبي عليه السلام إلى النضر بن الحارث وأضرابه . جاء في الكشاف بصدد حديثه عن الآية السابقة « وقيل نزلت في النضر بن الحارث وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدّث بها قريشا ويقول إن كان محمد يحدّثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدّثكم بأحاديث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن » « 6 » .

--> ( 1 ) سورة الفرقان ، الآية 5 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية 103 . ( 3 ) سورة الأنفال ، الآية 31 . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية 93 . ( 5 ) سورة لقمان ، الآيتان 6 - 7 . ( 6 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 193 .