محمد أحمد خلف الله
27
الفن القصصي في القرآن الكريم
من سبب تركه الباطل إما ظاهرا وإما باطنا ولذلك قال تعالى بعده إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ « 1 » لأن ما ينذر ويخوّف يوصف بذلك » . انتهى . وواضح من قول القاضي عبد الجبار أن المباهلة لم تكن إلا للتخويف وأن الخوف من العوامل التي تدعو الإنسان إلى ترك الباطل وأن ما يبعث الخوف يوصف بالحق . القصة التي تبعث الخوف وتدفع إلى ترك الباطل توصف بأنها حق . توصف بهذه الصفة لا من حيث وقوعها أو عدم الوقوع وإنما من حيث بعثها للخوف واستثارتها له لأن ما ينذر ويخوّف يوصف بذلك . المسألة على هذا القول في غاية الوضوح ولا تحتاج إلى دليل أو برهان على أننا نستطيع أن نفسّر المسألة من وجهة نظر أخرى هي التالية : يذهب بعض المفسرين إلى التفرقة بين الحكاية أي بين جسم القصة أو هيكلها وبين ما فيها من توجيهات دينية أو اجتماعية . ويذهب هؤلاء إلى أن الجسم أو الهيكل غير مقصود وأن المقصود من عملية القص القرآنية ليس إلا هذه التوجيهات . ليس إلا ما في القصة من المعاني الدينية والخلقية والقيم الاجتماعية والنفسية : ويذهب هؤلاء أيضا إلى أن المشركين قد ضلّوا السبيل حين اعتقدوا أن المقصود من عملية القص القرآنية هو الحكاية وأنه من هنا ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عد القصص القرآني من الأساطير وها هي بعض العبارات من كتب هؤلاء المفسّرين . جاء في الرازي ج 4 ص 591 عند تفسيره لقوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 2 » ما يلي « الأول أنهم كلما سمعوا شيئا من القصص قالوا ليس في هذا الكتاب إلا أساطير الأولين ولم يعرفوا أن المقصود منها ليس هو نفس الحكاية بل أمور أخرى مغايرة لها .
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 62 . ( 2 ) سورة يونس ، الآية 39 .