محمد أحمد خلف الله
28
الفن القصصي في القرآن الكريم
وجاء في النيسابوري ج 11 ص 85 هامش الطبري عند تفسيره للآية السابقة ما يلي : « وذلك إنما حملهم على التكذيب أولا وآخرا وجوه منها أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين ولم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين وخفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم ونقل الأمم من العز إلى الذل وبالعكس ليعرف المكلّف أن الدنيا ليست مما يبقى فنهاية كل حركة سكون وغاية كل سكون ألا يكون ، كقوله عز من قائل لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ « 1 » » . ويمضي الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أبعد من هذين حين يقول عند تفسيره لقصة هاروت وماروت من سورة البقرة ما يلي فيما نقل عنه صاحب المنار ج 1 ص 399 « قال الأستاذ الإمام ما مثاله : بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة والاعتبار لا لبيان التاريخ ولا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين وإنه ليحكي من عقائدهم الحق والباطل ومن تقاليدهم الصادق والكاذب ومن عاداتهم النافع والضار لأجل الموعظة والاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة ولا تتجاوز مواطن الهداية ولا بد أن يأتي في العبارة أو السياق وأسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن واستهجان القبيح . وقد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم وإن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ « 2 » وكقوله بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ « 3 » وهذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتّاب العربية وكتّاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير والشر في خطبهم ومقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان والمصريين القدماء ولا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية . . . إذ الواضح أن الأستاذ الإمام يجيز أن يكون في التعبير القرآني قصصا وغير قصص
--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية 111 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 275 . ( 3 ) سورة الكهف ، الآية 90 .