محمد أحمد خلف الله

25

الفن القصصي في القرآن الكريم

أعتقد أنك قد فطنت إلى أن الإجابة الثانية هي المطلوبة لأنها وحدها المقياس الذي وضعه اليهود في يد المشركين ولأنها التي تثبت حقا أن الوحي ينزل من السماء لأن معرفة ما قاله اليهود للمشركين قد تكون أشق وأعسر من معرفة الحقيقة التاريخية من أمر أصحاب الكهف لأن المعرفة الأولى معرفة الخبايا والأسرار والمعرفة الثانية معرفة الوقائع البشرية التي يسجّلها التاريخ والتي يتناقلها الرواة والأفراد . هذا الذي نقول به هو الذي يتّضح تماما من فن بناء هذه القصة في القرآن . لما ذا ردّد القرآن الكريم عدد الفتية من أصحاب الكهف بين الثلاثة الرابعهم كلبهم والخمسة السادسهم كلبهم والسبعة الثامنهم كلبهم ؟ لما ذا ردّد ولم يذكر العدد الحقيقي لكل هؤلاء ؟ ولما ذا لم يذكر القرآن الكريم العدد الحقيقي للسنين ؟ لما ذا قال وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً « 1 » ثم أعقبه بقوله قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا « 2 » . لما ذا كل هذا ؟ لا نستطيع أن نتصوّر أن هناك من يدّعي أن المولى سبحانه وتعالى كان يجهل العدد الحقيقي من أمر هؤلاء الفتية فاللّه يعلم السر وأخفى واللّه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وحاشا للمولى سبحانه وتعالى ألا يتعلق بعلمه أمر ما في الأرض أو في السماء . إن الترديد في العدد وإن التجهيل في أمر السنين لم يكن إلا لحكمة يريدها المولى وليست الحكمة فيما نرى إلا أن ينزل القرآن بما قالته اليهود للمشركين ومن هنا كانت أيضا هذه النصائح التي يذكرها في القصة القرآن الكريم . لقد كانت إجابات اليهود عير موحّدة ومن هنا كان ما ترى في القصة من تجهيل وترديد . فن بناء القصة في القرآن يشعر بما نذهب إليه من أن صفة الحق في هذا

--> ( 1 ) سورة الكهف ، الآية 25 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 26 .