محمد أحمد خلف الله
170
الفن القصصي في القرآن الكريم
خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى * لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى « 1 » . ويعلّق الزمخشري على هذه الآيات عند تفسيره لها بقوله : إن قلت كيف ذكرت بألفاظ مختلفة بالحية والجان والثعبان . قلت أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات الدقيق وفي ذلك وجهان أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حية حلا بها تنقلب حية صفراء دقيقة ثم تتورّم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا فأريد بالجان أول حالها ، وبالثعبان مآلها . والثاني أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان والدليل عليه قوله فلما رآها تهتز كأنها جان وقيل كان لها عرف كعرف الفرس قيل كان بين لحييها أربعون ذراعا « 2 » . وقبل أن نفسّر هذه المسألة وندلّك على ما بيننا وبين صاحب الكشاف من خلاف نحب أن نعرض عليك هذا العنصر القصصي الذي ورد بألفاظ مختلفة في سور مختلفة لنصل إلى الوجه الحق في تفسير هذه الظاهرة . قال تعالى قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ « 3 » . وقال تعالى فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ * قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ . . . « 4 » إلخ .
--> ( 1 ) سورة طه ، الآيات 17 - 23 . ( 2 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 22 . ( 3 ) سورة الشعراء ، الآيات 29 - 34 . ( 4 ) سورة القصص ، الآيات 29 - 33 .