محمد أحمد خلف الله
171
الفن القصصي في القرآن الكريم
لقد تقرّر أن القرآن إنساني العبارة بشري الأسلوب جاء على سنن العرب في بلاغتها وبيانها فهل بعد ذلك كله يأتي من يقول إن القرآن لا يفهم على هذه القواعد أو تلك الأساليب ؟ ونحب هنا أن نلفت الذهن إلى أن الزمخشري قد أبعد حين أدخل قوله تعالى فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ « 1 » في الموضوع . ذلك لأن هذه عنصر آخر فهي تصوّر موقفا غير ذلك الذي يصوّر في الموقفين السابقين . فمسألة انقلاب العصا ثعبانا كانت بمحضر من فرعون حين طلب البينة من موسى . ومسألة انقلابها حية أو اهتزازها كالجان كانت بين يدي الخالق سبحانه وتعالى وحدثت حين رأى موسى النار بعد إذ سار بأهله وهذا يجعل المسألة قابلة للاختلاف في التصوير : وقد أبعد صاحب الكشاف أيضا فيما ذهب إليه من رأى ذلك لأن اختيار الألفاظ لا يقوم إلا على اعتبار بلاغي عاطفي ومن هنا لم يحل الرأي الذي ذهب إليه المشكلة إذ يبقى بعد ذلك - على فرض الترادف - سؤال ما السر البلاغي في اختيار هذا اللفظ هنا وذلك اللفظ هناك ؟ إن الرأي فيما أعتقد هو أن الصورة التي يرسمها القرآن من سورة القصص صورة يشيع فيها الخوف من كل جانب وهو خوف قاتل وقد كان اللفظ الذي يلائم هذا الخوف ويجعل موسى يفر من الميدان هو أن يحضر اللفظ في الذهن صورة لشيء مخيف مرعب ومن هنا جاء لفظ الجان وفرق كبير بين الحية وبين الجان : إن الأولى لا تدفع الإنسان إلى أن يولي مدبرا حتما وإن الذي يدفع إلى ذلك حتما هو الجان . أما قصة طه فقد نزلت تسلية للنبي عليه السلام وتسرية عنه وإزالة لما بنفسه من هم وقلق ومن هنا قال تعالى في أول السورة طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى « 2 » ولذا كان عرض المسائل في هذه القصة عرضا هينا لينا يدفع إلى النفس الثقة والطمأنينة ويدفع عنها الهم والحزن ومن هنا كانت لفظة الحية أليق بالمقام .
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآية 32 . ( 2 ) سورة طه ، الآيتان 1 - 2 .