محمد أحمد خلف الله

167

الفن القصصي في القرآن الكريم

وواضح أن ابن الأثير يرى أن المنطق الذي يسير هذه الصيغ هو المنطق النفسي لا العقلي ، هو المنطق البلاغي أي المنطق الأدبي أو الفني . ولقد كان هذا الصنيع من القرآن محيرا للقدماء ذلك لأنهم مع وجود هذا الإيضاح البلاغي لم يفسروا هذه الظاهرة على أساس من المنطق الأدبي وإنما فسروها على أساس المنطق العقلي أو المنطق التاريخي ، ومن هنا وقعوا في المآزق وعانوا كثيرا من المشكلات . ومن ذلك موقفهم من قصة عيسى في آخر سورة المائدة وهي قوله تعالى وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 1 » . فقد وقفوا عند هذه المحاورة ليفسّروها على أساس الدلالة اللغوية والمعاني الأولى فجعلوها من المنطق التاريخي ومن هنا أخذوا يسألون أنفسهم متى وقعت هذه المحاورة فذهب قوم إلى أنها كانت عند رفع عيسى عليه السلام إلى السماء وذلك تمشّيا مع التعبير بصيغة الماضي وذهب آخرون إلى أنها لم تقع بعد وإلى أنها ستكون يوم القيامة بدليل قوله تعالى هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ « 2 » إذ هو وصف ليوم القيامة وذلك واضح في النيسابوري . والسبب في هذا أنهم فهموا من الآية المعاني الأولى كما يقول البلاغيون فجعلوها من المنطق العقلي ومن هنا حاولوا معرفة الوقت الذي حدثت أو ستحدث فيه هذه المحاورة بين عيسى عليه السلام والخالق سبحانه وتعالى ولو أنهم ذكروا وجه المسألة وقدّروا أن المراد منها المعاني الثانية وهي المعاني الأدبية أو الفنية لوضعوها على أساس من المنطق الأدبي منطق العاطفة والوجدان وبحثوا عن القصد الذي يرمي إليه القرآن وأنه ليس الإخبار

--> ( 1 ) سورة المائدة ، الآيات 116 - 118 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 119 .