محمد أحمد خلف الله

168

الفن القصصي في القرآن الكريم

بما سيحدث يوم القيامة وإنما توبيخ النصارى الموجودين في زمن النبي وحضّهم على التخلي عما يتمسّكون به من عبادة عيسى عليه السلام . إن المفسّرين لو مضوا في فهم المسألة على هذا الوجه لما وجدوا فيها شيئا يسبّب هذه المشكلة ويجعلهم يختلفون هذا الاختلاف . ولو فعلوا لما بقي عليهم إلا أن يعللوا لما ذا جاءت هذه المحاورة بالصيغة الدالة على الوقوع وهو الأمر اليسير ذلك لأن القرآن يريد أن يأخذ على هؤلاء الطرق ويسد عليهم المسالك ومن هنا وضع المسألة موضع الأمر الواقع المفروغ منه حتى كأنه ليس محلا للشك فضلا عن الإنكار وذلك مما يزعزع عقيدتهم ويخوّفهم من عذاب المنتقم الجبار . وإني لا أرى مانعا في أن تكون هذه المحاورة مشبهة للمحاورة السابقة التي دارت بين المستضعفين والمستكبرين وبين المستكبرين والشيطان . وإني لأعتقد أن مذهب القرآن في تصوير مشاهد القيامة أو ما يستبعد وقوعه من المصائب والعذاب يعتمد في الغالب على هذا الأسلوب أسلوب استعمال الصيغ الدالة على الوقوع ليقضي على ما في النفس العربية من شك أو إنكار وهذا هو الواضح من أمثال هذه الآيات اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ « 1 » أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ « 2 » . والذي نريد أن ننتهي إليه هنا هو أن القرآن وهو يعاجز معاجزة أدبية بلاغية كان في قصصه وما إليه من وسائل التعبير الأدبي إنما يريد المعاني الثانية وأنه من هنا كان الأمر للمنطق الأدبي في صيغ الأفعال المحددة للزمان وأنه من هنا أيضا كان يخرج بها عن تلك الدلالة الزمنية التي هي المعاني الأولى إلى الصور الأدبية التي تستثير العاطفة وتهز الوجدان لذا لا نستطيع أن نحكم عليها بصدق عادي ولا بكذب عقلي . ومعنى كل هذا أن أسلوب القرآن في عرض المواد القصصية الجزئية كان أسلوبا أدبيا يخضع لمنطق العاطفة والوجدان . على أن هذا هو الأسلوب البياني في التعبير فالأديب المتفنن يريد وصف رجل

--> ( 1 ) سورة القمر ، الآية 1 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية 1 .