محمد أحمد خلف الله
166
الفن القصصي في القرآن الكريم
وأما المعاني الثانية والدلالة البلاغية حين تراد فيكون ذلك منطق العاطفة الذي لا يحكم عليه أو معه بصدق أو كذب لأن المراد ليس إفادة الوقوع والتحقّق بل إفادة شيء آخر هو التحقّق والتأكّد . ولعل الذي يؤكد كل هذا هو ذكره سبحانه وتعالى في الآية السابقة لهذه الآيات المتقدمة فقد قال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ « 1 » . إذ يوجّه الخطاب إلى قوم النبي عليه السلام ويصوّر موقفهم منه ذلك الموقف الذي يدل على أنهم قد بلغوا من العنت نهاية الشوط حتى ليذهبهم ويأتي بخلق جديد . إن المنطق الذي يسود هذه الصورة هو المنطق الأدبي منطق العاطفة والوجدان ولقد لحظ القدماء من علماء البلاغة العلاقة بين الصور والصيغ وبين أثرهما النفسي والعاطفي . جاء في ابن الأثير بصدد حديثه عن اللونين من التعبير ، عن المستقبل بالماضي وعن الماضي بالمستقبل ما يلي : والفرق بينه وبين الاختبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذلك تبيّن هيئة الفعل واستحضار صورته ليكون السامع كأنه يشاهدها والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى . . . وكذلك جاء قوله تعالى وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً « 2 » وإنما قيل وحشرناهم ماضيا بعد نسير وترى وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال كأنه قال وحشرناهم قبل ذلك لأن الحشر هو المهم لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم من أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي « 3 » .
--> ( 1 ) سورة إبراهيم ، الآيتان 19 - 20 . ( 2 ) سورة الكهف ، الآية 47 . ( 3 ) المثل السائر ، ص 173 .