محمد أحمد خلف الله
165
الفن القصصي في القرآن الكريم
هذه آيات تصوّر موقفا من مواقف الآخرة وتصوّر نزاعا بين المستضعفين والمستكبرين وبين الشيطان ومتّبعيه وهي من حيث الزمان لم تقع بعد ولو كان المنطق العقلي يوجب الأمر للواقع والمطابقة وجب أن تصوّر هذه الصورة بالصيغ التي تدل على المستقبل لكن القرآن عدل عن هذه الصورة إلى الصورة التي تدل على أنها وقعت فعلا ذلك لأنه عبّر عن ذلك بالماضي . وَبَرَزُوا وَقالَ الشَّيْطانُ فَقالَ الضُّعَفاءُ . . . إلخ . فما هو السر ؟ إن الوقوف على السر ليس بالعسير ولا الشاق فالقرآن لا يقصد من هذه الصورة أن يعلم الناس شيئا تتعلق به عقيدة ما أو عمل ما سيحدث بين المستضعفين والمستكبرين في الآخرة أو بين هؤلاء وبين الشيطان فيعرفوا منه حقائق ويتعلموا منه معارف يعتقدونها أو يستعملونها إنما يريد أن يصلح نفوسهم بهدايتها إلى ما ينتظرها في العالم الآخر من مؤاخذة ومسؤولية ومحاكمة وما إلى ذلك وهو يصل إلى هذا من الطريق الأدبي البليغ وما يتبعه من اهتزازات عاطفية وانفعالات نفسية . إنما يقصد القرآن من هذه الصورة أن يبث الخوف والقلق في نفوس المعاصرين للنبي عليه السلام وأن يصرف المستضعفين عن اتباع المستكبرين والاستماع إليهم وأن يصرف المستكبرين عن الجري مع الهوى وخلف الشيطان وأنه من أجل ذلك صوّر هذه المحاورة بصورة الأمر الواقع وجاء لها بصيغة الماضي وأنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعلم أن المعاصرين للنبي عليه السلام ينكرون البعث الذي هو حق لا بد من وقوعه وأنه يريد أن يسد عليهم المنافذ وأن يضع المسألة موضع الأمر الذي قد وقع ومضى فجاء بالصيغة الدالة على ذلك وهي صيغة الماضي الذي يؤكد وقوع الفعل أو بعبارة حديثة صور هذا المنظر بالصورة التي تدل على الإيهام بالواقع . إن التعبير بالماضي هنا يدل عقليا على الوقوع قبل زمن الكلام ويدل عاطفيا أو بلاغيا أدبيا أو فنيا على حقيقة الحدث وأنه لا بد كائن ولا مفر فالدلالة الأولى حين تراد يكون ذلك منطق العقل ويحكم عليه بالصدق الخلقي والعقلي أو قسميه وهو ما ليس من مراد القرآن فلا محل للمؤاخذة به .