محمد أحمد خلف الله
159
الفن القصصي في القرآن الكريم
جاء في النيسابوري ما يلي : « وللمفسّرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره . الذاهبون إلى الأول قالوا إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً « 1 » فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية . والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مرّ في البقرة في تفسير قوله وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ « 2 » . وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة . فظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك وإلا انخرم التناسب » « 3 » . فالنيسابوري هنا يصوّر لنا الخلاف في الترتيب بين قصتين ويرى أن ظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه غير تلك وهو يقول بهذا القول خشية انخرام التناسب ولو فطن النيسابوري إلى أن القرآن هو الذي قصد إلى هذا لما قام عنده ولا عند غيره من المفسّرين أمثال هذه المشكلات القصصية في القرآن . إن ترتيب الأحداث في قصة البقرة قام على أساس تذكير اليهود أنفسهم بالنعم التي أنعم اللّه بها عليهم ليحببهم في النبي عليه السلام ويدفعهم إلى الدخول في الإسلام ومن هنا لم يعن القرآن بتفصيل الأحداث ولا بما وقع من المصائب كالقمل والضفادع والدم وغيرها أما ترتيبها في قصة الأعراف فيقوم على أساس آخر لم يعن القرآن فيه باليهود ليعظهم ويذكّرهم وإنما عني بالأحداث نفسها ليلقي الرعب في قلوب المشركين من أهل مكة ويدفعهم إلى البعد عن التكذيب والاستكبار ومن هنا سرد الأحداث سردا تفصيليا ودل على ما كان ينزل بهم من العذاب والمصائب دلالة قوية وأظهر عطفه على موسى واختياره له كما أظهر عطف موسى عليه السلام على قومه .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 55 . ( 2 ) نفس السورة والآية . ( 3 ) النيسابوري ، ج 9 ، ص 53 .