محمد أحمد خلف الله

160

الفن القصصي في القرآن الكريم

إن المقاصد التي يرمي إليها القرآن هي التي تملي الأسلوب والطريقة وهي التي من أجلها يسلسل القرآن الأحداث ويربط بينها برباط من العاطفة والوجدان . ولقد كان الأستاذ الإمام رحمه اللّه سباقا إلى تقرير هذه القاعدة القصصية في ترتيب الأحداث . وهذه بعض النصوص التي توضح ذلك : جاء في المنار ما يلي : قال الأستاذ الإمام : إن كثيرين من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص ويقولون هنا إن الاستقساء وضرب الحجر كان قبل التيه وقبل الأمر بدخول تلك القرية فذكرها هنا بعد تلك الوقائع . والجواب عن هذه الشبهة يفهم ما قلناه مرارا في قصص الأنبياء والأمم الواردة في القرآن وهو أنه لم يقصد بها التاريخ وسرد الوقائع مرتّبة بحسب أزمنة وقوعها وإنما المراد بها الاعتبار والعظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها وبيان النقم بعللها لتتّقى من وجهتها . ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر علة الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير وأدعى إلى التأثير « 1 » . وجاء فيه أيضا : قال الأستاذ الإمام : جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه فهو في هذه القصص لم يلتزم ترتيب المؤرخين ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة . وإنما ينسّق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب ويحرّك الفكر إلى النظر تحريكا ويهز النفس للاعتبار هزا وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم اللّه تعالى إياها وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها وما كان في أثر كل ذلك من تأديبهم بالعقوبات وابتلائهم بالحسنات والسيئات وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة ثم يعودون إلى بطرهم وينقلبون إلى كفرهم « 2 » . وواضح من نصوص المنار أن الأستاذ الإمام يرى أن ترتيب الأحداث في القصص القرآني يرجع إلى اعتبار بلاغي خاص من أجله يقوم العرض على أساس عاطفي وإنه في

--> ( 1 ) المنار ، ج 1 ، ص 337 . ( 2 ) نفس المصدر ، ص 346 .