محمد أحمد خلف الله

154

الفن القصصي في القرآن الكريم

الريح التي تنزع الناس وكأنهم أعجاز نخل منقعر . فعل القرآن كل هذا لسبب بسيط هو أنه يريد في ذلك العهد أن يبث في نفوس المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم الخوف من العذاب ويريد أن يريهم من الصور ما يجعل الخوف قويا عنيفا ومن هنا اختار هذه الصورة واكتفى بها حتى لا يشغل الذهن عنها بغيرها . وحرص القرآن على أن يكون العذاب والخوف منه هو النتيجة التي يجب أن تقر في النفس وفي الفؤاد ومن هنا بدأ القصة بذلك الاستفهام الذي يصوّب إلى القلب السهام فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ؟ وختمها أيضا بالاستفهام نفسه وكأنه يريد أن يصيب من الناس المقاتل . وحرص القرآن في هذه السورة وبعد عرضه لكل قصة من قصصها أن يلفت أهل مكة إلى موقفهم من النبي والقرآن وإلى أن هذا الموقف فيه ما فيه وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ « 1 » . فعل القرآن كل هذا لأن قصص هذه السورة لم تنزل إلا للإنذار وللتخويف من العذاب . وعلى هذا فأنت ترى أن القرآن يختار من المواد الأدبية القصصية ما يحقق الغرض ويوفي بالقصد وأنه يعرض عما عداه من أحداث وأشخاص وتفصيلات . ومن هنا لا نستطيع أن نقول بأن هذه القصة تقصد إلى تعليم الوقائع والتعريف بالتاريخ وإن كنا نستطيع أن نقول إنها قصة أدبية نزلت لقصد عاطفي هو التخويف والإنذار . ولقد فطن ابن الأثير إلى هذا الصنيع القصصي من القرآن وعلله تعليلا أدبيا أو بلاغيا أو فنيا حين قال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً * فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً « 2 » : « ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية فإن تقديره فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما

--> ( 1 ) سورة القمر ، الآية 17 . ( 2 ) سورة الفرقان ، الآيتان 35 - 36 .