محمد أحمد خلف الله
155
الفن القصصي في القرآن الكريم
فدمّرناهم تدميرا فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة بطولها أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم » « 1 » . فابن الأثير كما ترى يعلّل الذكر والحذف في القصة بعلل أدبية بيانية ويدلنا على أن القرآن اكتفى في الذكر بحاشيتي القصة لأنها المقصود وأعرض عما عداه الأمر الذي لا يستطيع المؤرخ أن يهمله ولا مجال له في العدول عنه لأن التاريخ لا يكون تاريخا إلا به وذلك من مثل ذكر صفة موسى ونسبه ووقت الإرسال والقصد من إرساله ولمن أرسل وأين وكيف جعل هارون وزيرا وسببه وما كان بينهما وبين القوم من جدل وحوار . . . إلخ . عدل القرآن عن كل هذا لسبب بسيط هو أنه يقص للموعظة والعبرة ولا يؤرخ للأفراد والجماعات أو للأمم والشعوب . جاء في المنار بصدد حديثه عن قصة الطوفان من سورة هود ما يلي : « وبينّا أن قصة نوح عليه السلام جاءت في عدة سور في كل سورة منها ما ليس في سائرها من ذلك ولهذا لم يذكر فيها من حادثة الطوفان إلا ما فيه العبرة والموعظة المقصودة بالذات منها فذكرت في بعضها بآية وفي بعضها بآيتين فما فوقها من جمع القلة وما في هذه السورة هو أطولها وأجمعها » « 2 » . ونستطيع الآن أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن المقاصد والأغراض هي التي تدفع إلى ذكر بعض الأحداث وحذف بعضها الآخر . وإلى القول بأن ما يقال أساسا للذكر والحذف عند الأقدمين من مفسّرين وأدباء ، هو ما نقول به اليوم أساسا لاختيار الأحداث في القصص القرآني وإن هذا الاختيار إنما يقوم على الاعتبارات البلاغية الأدبية التي نردها إلى منطق العاطفة لا إلى منطق النظر العقلي لأن قضايا الأول وجدانية شعرية وهي التي تليق بهذا الميدان . ومن هنا نستطيع أن نقول إن هذا اللون من قصص القرآن قصص أدبي تاريخي
--> ( 1 ) المثل السائر ، ص 205 . ( 2 ) المنار ، ج 12 ، ص 101 .