محمد أحمد خلف الله
132
الفن القصصي في القرآن الكريم
على أن للمسألة وجها آخر هو أن القصص القرآني كان يعنى العناية كلها بأمور المخالفين في أمر الدعوة والمعارضين للنبي عليه السلام ولذا كان القصص يوجّه الحديث التوجيهات التي تشرح هذه الأمور وتقرّها في الأذهان . وإذا كانت هذه الأمور المتنازع عليها خاصة بالوحدانية والبعث والرسالة كانت هي الواضحة كل الوضوح في قصص القرآن . ثم إن أمور الدين الإسلامي نفسه كانت أشبه بالتنظيمات الداخلية التي يقوم بها الفرد بعد أن يعتنق الدين الجديد ويدخل في حظيرة الإسلام وأمثال هؤلاء لا يثيرون جدلا ولا يقيمون الصعاب . على أني أستغفر اللّه وأستثني شيئا هو تلك العادات الخلقية التي كانت قد استقرت وعظم شأنها بحيث لم يقدر الفرد على التخلي عنها بمجرد دخوله في حظيرة الدين والإيمان . وتلك كبخس الناس أشياءهم وتطفيف الكيل والميزان . ومن هنا تعرّض لها القرآن أيضا وإن نالها على أنها من الأخلاق العامة إذ تعرّض لها في قصة شعيب عليه السلام . ونبدأ من قضايا الدين في قصة شعيب بالحديث عن التديّن . والتديّن في حس القرآن غريزة إنسانية فهي فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 1 » . وهي من هنا عامة وخالدة يستوي فيها الناس جميعا وسواء في ذلك المتحضّر منهم والباد . وتتّصف هذه الغريزة أو تلك الفطرة بإسنادها قدرة عظيمة وقوى قاهرة إلى موجودات وكائنات والغريب أن هذه القدرة قد تسند لغير اللّه فتسند للأصنام وتسند لغيرها من الآلهة التي يعبدها الوثني في مختلف الأديان ومن هنا قدّروها فعبدوها وأخافوا الأنبياء من غضبها وانتقامها . عبد قوم عاد أسماء سمّوها وعبد قوم إبراهيم آلهة صنعوها بأيديهم . وقال اللّه في حق الأولين من سورة الأعراف قالُوا أَ جِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي
--> ( 1 ) سورة الروم ، الآية 30 .