محمد أحمد خلف الله
113
الفن القصصي في القرآن الكريم
ويظهر لنا أن السر في هذا إنما يرجع إلى أن الإيمان يخلق في النفوس جوا عاطفيا نحو الآراء والأشياء ومن هنا عبّر القرآن عن الصلة بين الآلهة والأتباع بالحب حين قال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ « 1 » . هذا الجو له أثره في كل من الأفراد والجماعات فهو الذي يدعوها إلى هذا الموقف من المخالف وهو الذي يضطرها إلى الفتك والاضطهاد . فأولا : يدفع هذا الجو المؤمن أيا كان دينه إلى كراهية من ينال معتقداته بأذى أو يمسّها بسوء فالمشركون مثلا يكادون يزلقون النبي بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون والكفرة يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آيات ربهم وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا « 2 » . وأهل الكتاب جاءتهم الرسل بغير ما تهوى أنفسهم ففريقا كذبوا وفريقا يقتلون أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ « 3 » . وثانيا : يدفع هذا الجو المؤمن إلى الإحساس بأنه على الحق وغيره في ضلال ولذا لا يحس بما في رأيه من خطأ حتى ولو كان واضحا للعيان ومن هنا رأت اليهود أن ليست النصارى على شيء ورأت النصارى أن ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ « 4 » . ومن هنا أيضا رأى قوم نوح أنه في ضلال قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ « 5 » . ورأى قوم شعيب أن من اتّبعه هم الخاسرون وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 165 . ( 2 ) سورة الحج ، الآية 72 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 87 . ( 4 ) نفس السورة ، الآية 113 . ( 5 ) سورة الأعراف ، الآيتان 60 - 61 .