عمر السهروردي
375
عوارف المعارف
فهذه كلها عوارض يتفطن لها المتيقظ ، ويرى تغير القالب بهذه العوارض تغير مزاج القلب عن الاعتدال ، والاعتدال كما هو مهم طلبه للقالب فللقلب أهم وأولى . وتطرق الانحراف إلى القلب أسرع منه إلى القالب . ومن الانحراف ما يسقم به القلب فيموت لموت القالب . واسم اللّه تعالى دواء نافع مجرب بقي الأسواء ، ويذهب الداء ، ويجلب الشفاء . حكى : أن الشيخ محمدا الغزالي لما رجع إلى طوس وصف له في بعض القرى عبد صالح ، فقصده زائرا ، فصادفه وهو في صحراء له يبذر الحنطة في الأرض . فلما رأى الشيخ محمدا جاء إليه وأقبل عليه ، فجاء رجل من أصحابه وطلب منه البذر لينوب عن الشيخ في ذلك وقت اشتغاله بالغزالي ، فامتنع ولم يعطه البذر . فسأله الغزالي عن سبب امتناعه ، فقال : لأنى أبذر هذا البذر بقلب حاضر ، ولسان ذاكر ، أرجو البركة فيه لكل من يتناول منه شيئا . فلا أحب أن أسلمه إلى هذا فيبذره بلسان غير ذاكر وقلب غير حاضر . وكان بعض الفقراء عند الأكل يشرع في تلاوة سورة من القرآن تحضر الوقت بذلك ، حتى تنغمر أجزاء الطعام بأنوار الذكر ، ولا يعقب الطعام مكروه ، ويتغير مزاج القلب . وقد كان شيخنا أبو النجيب السهروردي يقول : أنا آكل وأنا أصلى ، يشير إلى حضور القلب في الطعام . وربما كان يوقف من يمنع عنه الشواغل وقت أكله لئلا يتفرق همه وقت الأكل ، ويرى للذكر وحضور القلب في الأكل أثرا كبيرا لا يسعه الإهمال له .