عمر السهروردي
376
عوارف المعارف
ومن الذكر عند الأكل الفكر فيما هيأ اللّه تعالى من الأسنان المعينة على الأكل ، فمنها الكاسرة ، ومنها القاطعة ، ومنها الطاحنة ، وما جعل اللّه تعالى من الماء الحلو في الفم حتى لا يتغير الذوق . كما جعل ماء العين مالحا لما كان شحما حتى لا يفسد ، وكيف جعل النداوة تنبع من أرجاء اللسان والفم ليعين ذلك على المضغ والسوغ ، وكيف جعل القوة الهاضمة مسلطة على الطعام تفصله وتجزئه متعلقا مددها بالكبد . والكبد بمثابة النار ، والمعدة بمثابة القدر ، وعلى قدر فساد الكبد تقل الهاضمة ، ولا يفسد الطعام ، ولا ينفصل ، ولا يصل إلى كل عضو نصيبه . وهكذا تأثير الأعضاء كلها من الكبد والطحال والكليتين ، ويطول شرح ذلك . فمن أراد الاعتبار فليطالع تشريح الأعضاء ليرى العجب من قدرة اللّه تعالى من تعاضد الأعضاء وتعاونها ، وتعلق بعضها بالبعض في إصلاح الغذاء واستجذاب القوة منه للأعضاء ، وانقسامه إلى الدم والثفل واللبن ، لتغذية المولود من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين . فالفكر في ذلك وقت الطعام ، وتعرف لطيف الحكم والقدر فيه من الذكر . ومما يذهب داء الطعام المغير لمزاج القلب أن يدعو في أول الطعام ، ويسأل اللّه تعالى أن يجعله عونا على الطاعة . ويكون من دعائه : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، وما رزقتنا مما نحب اجعله عونا لنا على ما تحب ، وما زويت عنا مما نحب اجعله فراغا لنا فيما تحب .