عمر السهروردي

304

عوارف المعارف

والنفس عند المواهب الواردة على الروح والقلب تسترق السمع ، ومتى نالت قسطا من المنح استغنت وطغت ، والطغيان يظهر منه فرط البسط ، والإفراط في البسط يسد باب المزيد ، وطغيان النفس لضيق وعائها عن المواهب . فموسى عليه السلام صح له في الحضرة أحد طرفي ما زاغ البصر ، وما التفت إلى ما فاته ، وما طغى متأسفا لحسن أدبه ، ولكن امتلأ من المنح ، واسترقت النفس السمع ، وتطلعت إلى القسط والحظ . فلما حظيت النفس استغنت ، وطفح عليها ما وصل إليها ، وضاق نطاقها ، فتجاوز الحد من فرط البسط ، وقال : أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ « 1 » . فمنع ولم يطلق في فضاء المزيد ، وظهر الفرق بين الحبيب والكليم عليهما السلام . وهذه دقيقة لأرباب القرب والأحوال السنية ، فكل قبض يوجد عقوبة ، لأن كل قبض سد في وجه باب الفتوح ، والعقوبة بالقبض أوجبت الإفراط في البسط . ولو حصل الاعتدال في البسط ما وجبت العقوبة بالقبض ، والاعتدال في البسط بإيقاف النازل من المنح على الروح والقلب ، والإيقاف على الروح والقلب بما ذكرناه من حال النبي عليه السلام من تغييب النفس في مطاوي الانكسار . فذلك الفرار من اللّه إلى اللّه وهو غاية الأدب ، حظى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما قوبل بالقبض ، فدام مزيده وكان قاب قوسين أو أدنى . ويشاكل الشرح الذي شرحناه قول أبى العباس ابن عطاء في قوله تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) « 2 » .

--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 143 . ( 2 ) سورة النجم : الآية 17 .