عمر السهروردي
577
عوارف المعارف
وقال ذو النون : ما رجع من رجع إلا من الطريق ، وما وصل إليه أحد فرجع عنه . واعلم أن الاتصال والمواصلة أشار إليه الشيوخ . وكل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان فهو من رتبة الوصول ، ثم يتفاوتون ، فمنهم من يجد اللّه بطريق الأفعال ، وهو رتبة في التجلي ، فيفنى فعله وفعل غيره ، لوقوفه مع فعل اللّه ، ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار ، وهذه رتبة في الوصول . ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه به من مطالعة الجمال والجلال ، وهذا تجلى طريق الصفات ، وهو رتبة في الوصول . ومنهم من ترقى لمقام الفناء ، مشتملا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة ، مغيبا في شهوده عن وجوده ، وهذا ضرب من تجلى الذات لخواص المقربين ، وهذا المقام رتبة في الوصول . وفوق هذا حق اليقين ، ويكون ذلك في الدنيا للخواص لمح ، وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد ، حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه ، وهذا من أعلى رتب الوصول ، فإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه بعد في أول المنزل ، فأين الوصول ، هيهات منازل طريق الوصول لا تقطع أبدا الآباد في عمر الآخرة الأبدي ، فكيف في العمر القصير الدنيوي . ومنها القبض والبسط ، وهما حالان شريفان . قال اللّه تعالى : . . . وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ . . . « 1 » وقد تكلم فيهما الشيوخ وأشاروا بإشارات هي علامات القبض والبسط ، ولم أجد كشفا عن حقيقتهما لأنهم اكتفوا بالإشارة ،
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 245 .