عمر السهروردي
560
عوارف المعارف
وقال يحيى : يرجع الأمر كله إلى هذين الأصلين : فعل منه بك ، وفعل منك له ، فترضى بما عمل ، وتخلص فيما تعمل . وقال بعضهم : الراضي من لم يندم على فائت من الدنيا ، ولم يتأسف عليها . وقيل ليحيى بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضى ؟ قال : إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ، بقولك إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني عبدت ، وإن دعوتني أجبت . قال الشبلي رحمه اللّه بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا باللّه . قال الجنيد : قولك ذا ضيق صدر . فقال : صدقت . قال : فضيق الصدر ترك الرضى بالقضاء . وهذا إنما قاله الجنيد رحمه اللّه تنبيها منه على أصل الرضى ، وذلك أن الرضى يحصل لإنشراح القلب وانفساحه ، وانشراح القلب من نور اليقين . قال اللّه تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ . . . « 1 » فإذا تمكن النور من الباطن اتسع الصدر ، وانفتحت عين البصيرة ، وعاين حسن تدبير اللّه تعالى ، فينتزع السخط والتضحر ، لأن اتساع القدرة يتضمن حلاوة الحب ، وفعل المحبوب بموقع الرضى عن المحب الصادق ، لأن المحب يرى أن الفعل من المحبوب مراده واختياره ، فيفنى في لذة رؤية اختيار المحبوب عن اختيار نفسه ، كما قيل : وكل ما يفعل المحبوب محبوب .
--> ( 1 ) سورة الزمر : الآية 22 .