عمر السهروردي
547
عوارف المعارف
والزاهد في الزهد استوى عنده وجود الدنيا وعدمها ، إن تركها تركها باللّه ، وإن أخذها أخذها باللّه ، وهذا هو الزهد في الزهد . وقد رأينا من العارفين من أقيم في هذا المقام . وفوق هذا مقام آخر في الزهد ، وهو لمن يرد الحق إليه اختياره لسعة علمه وطهارة نفسه في مقام آخر في الزهد ، فيزهد زهدا ثالثا ، ويترك الدنيا بعد أن مكن من ناصيتها ، وأعيدت عليه موهوبة ، ويكون تركه الدنيا في هذا المقام باختياره ، واختياره من اختيار الحق ، فقد يختار تركها حينا تأسيا بالأنبياء والصالحين ، ويرى أن أخذها في مقام الزهد رفق أدخل عليه لموضع ضعفه عن درك شأو الأقوياء من الأنبياء والصديقين ، فيترك الرفق من الحق بالحق للحق ، وقد يتناوله باختباره رفقا بالنفس بتدبير يسوسه فيه صريح العلم . وهذا مقام التصرف لأقوياء العارفين ، زهدوا ثالثا باللّه كما رغبوا ثانيا باللّه ، كما زهدوا أولا للّه . قولهم في الصبر : قال سهل : الصبر انتظار الفرج من اللّه ، وهو أفضل الخدمة وأعلاها . وقال بعضهم : الصبر أن تصير في الصبر ، أي لا تطالع فيه الفرج . قال اللّه تعالى : . . . وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . « 1 » وقيل : لكل شيء جوهر ، وجوهر الإنسان العقل ، وجوهر العقل الصبر ، فالصبر عرك النفس ، وبالعرك تلين ، والصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس ، لأنه يحتاج إلى الصبر عن كل منهى ومكروه ومذموم ظاهرا وباطنا ، والعلم يدل والصبر يقبل ، ولا تنفع دلالة العلم بغير قبول الصبر ، ومن كان العلم
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 177 .