عمر السهروردي
548
عوارف المعارف
سائسه في الظاهر والباطن لا يتم ذلك له إلا إذا كان الصبر مستقره ومسكنه . والعلم والصبر متلازمان كالروح والجسد لا يستقل أحدهما بدون الآخر ، ومصدرهما الغريزة العقلية ، وهما متقاربان لاتحاد مصدرهما ، وبالصبر يتحامل على النفس ، وبالعلم يترقى الروح ، وهما البرزخ والفرقان بين الروح والنفس ، ليستقر كل واحد منهما في مستقره ، وفي ذلك صريح العدل وصحة الاعتدال ، وبانفصال أحدهما عن الآخر أعنى العلم والصبر ميل أحدهما على الآخر ، أعنى النفس والروح ، وبيان ذلك يدق . وناهيك بشرف الضمير قوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 1 » كل أجير أجره بحساب ، وأجر الصابرين بغير حساب . وقال اللّه تعالى لنبيه وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ . . . « 2 » أضاف الصبر إلى نفسه لشرف مكانه وتكمل النعمة به . قيل : وقف رجل على الشبلي ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال : الصبر في اللّه ، فقال : لا ، فقال : الصبر للّه ، فقال : لا ، فقال : الصبر مع اللّه ، فقال : لا ، فغضب الشبلي وقال : ويحك أي شئ هو ؟ فقال الرجل : الصبر عن اللّه . قال : فصرخ الشبلي صرخة كاد أن تتلف روحه . وعندي في معنى الصبر عن اللّه وجه ، ولكونه من أشد الصبر على الصابرين وجه ، وذاك أن الصبر عن اللّه يكون في أخص مقدمات المشاهدة ، يرجع العبد عن اللّه استحياء وإجلالا ، وتنطبق بصيرته خجلا وذوبانا ، ويتغيب في مفاوز استكانته وتخفيه لإحساسه بعظيم أمر التجلي ، وهذا من أشد الصبر ، لأنه يود استدامة هذه الحال ، تأدية لحق الجلال .
--> ( 1 ) سورة الزمر : الآية 10 . ( 2 ) سورة النحل : الآية 127 .