عمر السهروردي
539
عوارف المعارف
فإذا صح زهد العبد صح توكله أيضا ، لأن صدق توكله مكنه من زهده في الموجود ، فمن استقام في التوبة وزهد في الدنيا وحقق هذين المقامين ، استوفي سائر المقامات وتكون فيها وتحقق بها . وترتيب التوبة مع المراقبة وارتباط إحداهما بالأخرى أن يتوب العبد ثم يستقيم في التوبة حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال شيئا ، ثم يرتق من تطهير الجوارح عن المعاصي إلى تطهير الجوارح عما لا يعنى ، فلا يسمح بكلمة فضول ولا حركة فضول ، ثم ينتقل للرعاية والمحاسبة من الظاهر إلى الباطن ، وتستولى المراقبة على الباطن ، وهو التحقق بعلم القيام بمحو خواطر المعصية عن باطنه ثم خواطر الفصول ، فإذا تمكن من رعاية الخطرات عصم عن مخالفة الأركان والجوارح وتستقيم توبته . قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ . . . « 1 » أمره اللّه تعالى بالاستقامة في التوبة أمرا له ولأتباعه وأمته . وقيل : لا يكون المريد مريدا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال عشرين سنة . ولا يلزم من هذا وجود العصمة ، ولكن الصادق التائب في النادر إذا ابتلى بذنب ينمحي أثر الذنب من باطنه في ألطف ساعة لوجود الندم في باطنه على ذلك ، والندم توبة ، فلا يكتب عليه صاحب الشمال شيئا . فإذا تاب توبة نصوحا ثم زهد في الدنيا حتى لا يهتم في غذائه لعشائه ، ولا في عشائه لغذائه ، ولا يرى الادخار ، ولا يكون له تعلق هم بغد ، فقد جمع في هذا الزهد والفقر ، والزهد أفضل من الفقر ، وهو فقر وزيادة ، لأن الفقير عادم للشيء اضطرارا ، والزاهد تارك للشيء اختيارا ، وزهد يحقق توكله ، وتوكله يحقق رضاه ، ورضاه يحقق الصبر ، وصبره يحقق حبس النفس وصدق المجاهدة ، ، وحبس النفس للّه يحقق خوفه ، وخوفه يحقق رجاءه ، ويجمع بالتوبة والزهد كل المقامات .
--> ( 1 ) سورة هود : الآية 112 .