عمر السهروردي

540

عوارف المعارف

والزهد والتوبة إذا اجتمعا مع صحة الإيمان وعقوده وشروطه يعوز هذه الثلاثة رابع به تمامها ، وهو دوام العمل ، لأن الأحوال السنية ينكشف بعضها بهذه الثلاثة ، وتيسير بعضها متوقف على وجود الرابع وهو دوام العمل . وكثير من الزهاد المتحققين بالزهد المستقيمين في التوبة تخلفوا عن كثير من سنى الأحوال لتخلفهم عن هذا الرابع ، ولا يراد الزهد في الدنيا إلا لكمال الفراغ المستعان به على إدامة العمل للّه تعالى ، والعمل للّه أن يكون العبد لا يزال ذاكرا أو تاليا أو مصليا أو مراقبا لا يشغله عن هذه إلا واجب شرعي ، أو مهم لا بد منه طبيعي ، فإذا استولى العمل على القلب مع وجود الشغل الذي أداه إليه حكم الشرع لا يفتر باطنه عن العمل ، فإذا كان مع الزهد والتوقي متمسكا بدوام العمل فقد أكمل الفضل وما آلى جهدا في العبودية . قال أبو بكر الوراق : من خرج من قالب العبودية صنع به ما يصنع بالآبق . وسئل سهل بن عبد اللّه التستري : أي منزلة إذا قام العبد بها مقام العبودية ؟ قال : إذا ترك التدبير والاختيار . فإذا تحقق العبد بالتوبة والزهد ودوام العمل للّه يشغله وقته الحاضر عن وقته الآتي ، ويصل إلى مقام ترك التدبير والاختيار ، ثم يصل إلى أن يملك الاختيار ، فيكون اختيار اللّه تعالى لزوال هواه ، ووفور علمه ، وانقطاع مادة الجهل عن باطنه . قال يحيي بن معاذ الرازي : ما دام العبد يتعرف يقال له لا تختر ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف ، فإذا عرف وصار عارفا يقال له إن شئت اختر وإن شئت لا تختر ، لأنك إن اخترت فباختيارنا اخترت ، وإن تركت الاختيار فباختيارنا تركت الاختيار ، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار .