عمر السهروردي

523

عوارف المعارف

الباب الثامن والخمسون في شرح الحال والمقام والفرق بينهما قد كثر اشتباه بين الحال والمقام ، واختلفت إشارات الشيوخ في ذلك ، ووجود الاستباه لمكان تشابههما في نفسهما وتداخلهما ، فتراءى للبعض الشئ حالا ، تراءى للبعض مقاما ، وكلا الرؤيتين صحيح لوجود تداخلهما ، ولا بد من ذكر ضابط يفرق بينهما ، على أن اللفظ والعبارة عنهما مشعر بالفرق ، فالحال سمى حالا لتحوله ، والمقام مقامأ لثبوته وستقراره . وقد يكون الشئ بعينه حالا ثم يصير مقاما ، مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة ثم تزول الدعية بغلبة صفات النفس ، ثم تعود ثم تزول فلا يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال ، ثم يحول بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة من اللّه الكريم ويغلب حال المحاسبة ، وتنقهر النفس ، وتنضبط ، وتتملكها المحاسبة فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه فيصير في مقام المحاسبة بعد أن كان له حال المحاسبة . ثم ينازله حال المراقبة ، فمن كانت المحاسبة مقامه يصير له من المراقبة حال . ثم يحول حال المراقبة لتناوب السهو والغفلة في باطن العبد ، إلى أن ينقشع ضباب السهو والغفلة ، ويتدارك اللّه عبده بالمعونة ، فتصير المراقبة مقاما بعد أن كانت حالا ، ولا يستقر مقام المحاسبة قراره إلا بنازل حال المراقبة ، ولا يستقر مقام المراقبة قراره إلا بنازل حال المشاهدة ، فإذا منح العبد بنازل حال المشاهدة استقرت مراقبته وصارت مقامه ، ونزل المشاهدة أيضا يكون حالا يحول بالاستتار ، ويظهر بالتجلي ، ثم يصير مقاما ، وتتخلص شمسه عن كسوف الاستتار .