عمر السهروردي
524
عوارف المعارف
ثم مقام المشاهدة أحوال وزيادات وترقيات من حال إلى حال أعلى منه ، كالتحقق بالفناء ، والتخلص إلى البقاء ، والترقي من عين اليقين إلى حق اليقين ، وحق اليقين نازل يخرق شغاف القلب ، وذلك أعلى فروع المشاهدة . وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي . قال سهل بن عبد اللّه : للقلب تجويفان ، أحدهما باطن وفيه السمع والبصر وهو قلب القلب وسويداؤه ، والتجويف الثاني ظاهر القلب وفيه العقل ، ومثل العقل في القلب مثل النظر في العين ، وهو صقال لموضع مخصوص فيه ، بمنزلة الصقال الذي في سواد العين ، ومنه تنبعث الأشعة المحيطة بالمرئيات ، فهكذا تنبعث من نظر العقل أشعة العلوم المحيطة بالمعلومات ، وهذه الحالة التي خرقت شغاف القلب ووصلت إلى سويدائه وهي حق اليقين هي أسنى العطايا وأعز الأحوال وأشرفها ، ونسبة هذه الحال من المشهادة كنسبة الأجر من لثوب ، إذ يكون ترابا ثم طينا ثم لبنا ثم آجرا . فالمشاهدة هي الأول والأصل يكون منه الفناء كالطين ، ثم البقاء كاللبن ، ثم هذه الحالة وهي آخر الفروع . ولما كان الأصل في الأحوال هذه الحالة وهي شرف الأحوال ، وهي محض موهبة لا تكتسب ، سميت كل المواهب من النوازل بالعبد أحوالا ، لأنها غير مقدورة للعبد بكسبه ، فأطلقوا القول ، وتداولت ألسنة الشيوخ أن المقامات مكاسب ، والأحوال السماوات ومتنزل البركات ، وهذه الأحوال لا يتحقق بها إلا ذو قلب سماوي . قال بعضهم : الحال هو الذكر الخفي . وهذا إشارة إلى شئ مما ذكرناه . وسمعت المشايخ بالعراق يقولون : الحال ما من اللّه ، فكل ما كان من طريق الاكتساب والأعمال يقولون : هذا ما من العبد ، فإذا لاح للمريد شئ