عمر السهروردي
78
عوارف المعارف
عليه للمتشبه ، وطريق الصوفية أوله إيمان ، ثم علم ، ثم ذوق . فالتشبه صاحب إيمان ، والإيمان بطريق الصوفية أصل كبير . قال الجنيد رحمة اللّه عليه : الإيمان بطريقنا هذا ولاية . ووجه ذلك أن الصوفية تميزوا بأحوال عزيزة ، وآثار مستغربة عند أكثر الخلق ، لأنهم مكاشفون بالقدر وغرائب العلوم ، وإشاراتهم إلى عظيم أمر اللّه والقرب منه ، والإيمان بذلك إيمان بالقدرة . وقد أنكر قوم من أهل الملة كرامات الأولياء ، والإيمان بذلك إيمان بالقدرة ، ولهم علوم من هذا القبيل فلا يؤمن بطريقهم إلا من خصه اللّه تعالى بمزيد عنايته . فالمتشبه صاحب إيمان ، والمتصوف صاحب علم ، لأنه بعد الإيمان اكتسب مزيد علم بطريقهم ، وصار له من ذلك مواجيد يستدل له على سائرها . والصوفي صاحب ذوق ، فالمتصوف وهكذا سنة اللّه تعالى جارية أن كل صاحب حال له ذوق فيه لابد أن يكشف له علم بحال أعلى مم هو فيه ، فيكون في الحال الأول صاحب ذوق ، وفي الحال الذي كوشف به صاحب علم ، وبحال فوق ذلك صاحب إيمان ، حتى لا يزال طريق الطلب مسلوكا ، فيكون في حال الذوق صاحب قدم ، وفي حال العلم صاحب نظر ، وفي حال فوق ذلك صاحب إيمان ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) « 1 » . وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 ) « 2 » . فكان لشراب الأبرار مزج من شراب المقربين وللمقربين ذلك صرفا .
--> ( 1 ) سورة الانفطار آية : 13 . ( 2 ) سورة المطففين آية : 27 ، 28 .