عمر السهروردي

79

عوارف المعارف

فلصوفى شراب صرف ، وللمتصوف من مزج في شرابه ، وللمتشبه مزج من شراب المتصوف فالصوفي سبق إلى مقار الروح من بساط القرب ، والمتصوف بالنسبة إلى الزاهد ، لأنه تفعل وتعمل وتسبب ، إشارة إلى ما بقي عليه من وصفه ، فهو مجتهد في طريقه سائر على ربه . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « سيروا سبق المفردون ، والمتصوف في مقام السائرين ، واصل في سيره إلى مقار القلب من ذكر اللّه عز وجل ومراقبته بقلبه ، وتلذذه بنظره إلى نظر اللّه إليه . فالصوفي في مقار الروح صاحب مشاهدة والمناصب في مقار صاحب مراقبة . والمتشبه في مقاومة النفس ، وصاحب مجاهدة ، وصاحب محاسبة فتلوين الصوفي بوجود قلبه . وتلوين المتصوف بوجود نفسه ، والمتشبه لا تلوين له ، لأن التلوين لأرباب الأحوال ، والمتشبه مجتهد سالك لم يصل بعد إلى الأحوال ، والكل تجمعهم دائرة الاصطفاء . قال اللّه تعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ ( 32 ) « 1 » . قال بعضهم : الظالم الزاهد ، والمقتصد العارف ، والسابق المحب . وقال بعضهم : الظالم الذي يجزع من البلاء ، والمتقصد الذي يصبر عند البلاء ، والسابق الذي يتلذذ بالبلاء . وقال بعضهم : الظالم يعبد على الغفلة والعادة ، والمقتصد يعبد على الرغبة والرهبة ، والسابق يعبد على الهيبة والمنة . وقال بعضهم : الظالم بذكر اللّه بلسانه ، والمقتصد بقلبه ، والسابق لا ينسى ربه . وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه اللّه : الظالم صاحب الأقوال ، والمقتصد صاحب الأفعال ، والسابق صاحب الأحوال .

--> ( 1 ) سورة فاطر آية : 32 .