عمر السهروردي

57

عوارف المعارف

وقع لي أن معنى كنست بأرواحهم المزابل أن الإشارة بالمزابل إلى النفوس ، لأنها مأوى كل رجس ونجس كالمزبلة ، وكنسها ينور الروح الواصل إليه ، لأن الصوفية أرواحهم في مجال القرب ، ونورها يسري إلى النفوس ، وبوصول نور الروح إلى النفس تطهر النفس ، ويذهب عنها المذموم من الغل والغش والحقد والحسد ، فكأنها تكنس بنور الروح وهذا صحيح وإن لم يرد القائل بقوله ذلك . قال اللّه تعالى في وصف أهل الجنة وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 47 ) « 1 » . قال أبو حفص : كيف يبقى الغل في قلوب ائتلفت باللّه ، واتفقت على محبته ، واجتمعت على مودته ، وأنست بذكره ، إن تلك قلوب صافية من هواجس النفوس وظلمات الطبائع ، بل كحلت بنور التوفيق ، فصارت إخوانا ، فالخلق حجابهم عن القيام بإحياء سنة رسول اللّه صلى اللّه علية وسلم قولا وفعلا وحالا صفات نفوسهم ، فإذا تبدلت نعوت النفس ، ارتفع الحجاب ، وصحت المتابعة ، ووقعت الموفقة في كل شئ مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ووجبت المحبة من اللّه تعالى عند ذلك . قال اللّه تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ( 31 ) جعل متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم آية محبة العبد ربه ، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول محبة اللّه إياه . فأوفر الناس حظا من متابعة الرسول أوفرهم حظا من محبة اللّه تعالى . والصوفية من بين طوائف الإسلام ظفروا بحسن المتابعة ، لأنهم اتبعوا أقواله ، فقاموا بما أمرهم ، ووقفوا عما نهاهم . قال اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ( 7 ) « 2 »

--> ( 1 ) سورة الحجر آية : 47 . ( 2 ) سورة الحشر آية : 7 .