عمر السهروردي

58

عوارف المعارف

ثم أتبعوه في أعمالهم من الجد والاجتهاد في العبادة ، والتهجد والنوافل من الصوم والصلاة وغير ذلك ، ورزقوا ببركة المتابعة في الأقوال والأفعال التخلق بأخلاقه ، من الحياء والحلم ، والصفح والعفو ، والرأفة والشفقة ، والمداراة والنصيحة والتواضع ، ورزقوا قسطا من أحواله من الخشية والسكينة ، والهيبة والتعظيم ، والرضا والصبر ، والزهد والتوكل ، فاستوفوا جميع أقسام المتابعات ، وأحيوا سنته بأقصى الغايات . قيل لعبد الواحد بن زيد : من الصوفية عنك ؟ قال : القائمون بعقولهم على فهم السنة ، والعاكفون عليها بقلوبهم ، والمعتصمون بسيدهم من شر نفوسهم هم الصوفية . وهذا وصف تام وصفهم به ، فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دائم الافتقار إلى مولاه حتى يقول « لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، اكلأني كلاءة الوليد » ومن أشرف ما ظفر به الصوفي من متابعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذا الوصف ، وهو دوام الافتقار ودوام الالتجاء . ولا يتحقق بهذا الوصف من صدق الافتقار إلا عبد كوشف باطنه بصفاء المعرفة ، وأشرق صدره بنور اليقين ، وخلص قلبه إلى بساط القرب ، وخلا سره بلذاذة المسامرة ، فبقيت نفسه بين هذه الأشياء كلها أسيرة مأمورة ، ومع ذلك كله يراها مأوي كل شر ، وهي بمثابة النار لو بقيت منها شرارة أحرقت عالما ، وهي وشيكة الرجوع ، سريعة الانفلات والانقلاب . فاللّه تعالى بكمال لطفه عرفها إلى الصوفي ، وكشفها له على شيء من معنى ما كشفه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فهو دائم الاستغاثة إلى مولاه من شرها ، وكأنها جعلت سوطا للعبد ، تسوقه لمعرفته ، بشرها ، مع اللحظات إلى جناب الالتجاء ، وصدق الافتقار والدعاء ، فلا يخلو الصوفي عن مطالعتها أدنى ساعة ، كما لا يخلو عن ربه أدنى ساعة ، وربط معرفتها .