عمر السهروردي

56

عوارف المعارف

الباب الرابع في شرح حال الصوفية واختلاف طريقهم اخبرانا الشيخ العالم ضياء الدين أبو أحمد عبد الوهاب بن علي ، قال أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم الهروي ، قال أنا أبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقي ، قال أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، قال أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، قال أنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، قال حدثنا مسلمة بن حاتم الأنصاري ، قال حدثنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري ، عن أبيه ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : قال أنس بن مالك رضي اللّه عنه : قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم " يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فأفعل " ثم قال " يا بني وذلك من سنتي ، ومن أحيا سنتي فقد أحياني ، ومن أحياني كان معي في الجنة " وهذا أتم شرف وأكمل فضل ، أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم في حق من أحيا سنته . فالصوفية هم الذين أحيوا هذه السنة ، وطهارة الصدور من الغل والغش عماد أمرهم ، وبذلك ظهر جوهرهم ، وبان فضلهم ، وإنما قدروا على إحياء هذه السنة ، ونهضوا بواجب حقها لزهدهم في الدنيا ، وتركها لأربابها وطلابها ، لأن مثار الغل والغش محبة الدنيا ، ومحبة الرفعة والمذلة عند الناس ، والصوفية زهدوا في ذلك كله ، كما قال بعضهم : طريقنا هذا لا يصلح إلا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل ، فلما سقط عن قلوبهم محبة الدنيا وحب الرفعة أصبحوا وأمسوا وليس في قلوبهم غش لأحد فقول القائل : كنست بأرواحهم المزابل ، إشارة منه إلى غاية التواضع ، وأن لا يرى نفسه تتميز عن أحد من المسلمين لحقارته عند نفسه ، وعند هذا ينسد باب الغش والغل . وجرت هذه الحكاية ، فقال بعض الفقراء من أصحابنا :