عمر السهروردي
291
عوارف المعارف
ومن نازع من لا يقوى عليه كتمه حزنا . الحرد غضب أيضا ، ولكن يستعمل إذا قصد المغضوب عليه . وإن كان الغضب على من يشاكله ويماثله ممن يتردد في الانتقام منه يتردد دم القلب بين الانقباض والانبساط ، فيتولد منه الغل والحقد ، ولا يأوى مثل هذا إلى قلب الصوفي . قال اللّه تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ « 1 » . وسلامة قلب الصوفي وحاله يقذف زبد الغل والحقد كما يقذف البحر الزبد ، لما فيه من تلاطم أمواج الأنس والهبة . وإن كان الغضب على من دونه ممن يقدر على الانتقام منه ثار دم القلب ، والقلب إذا ثار دمه يحمر ويقسو ويتصلب ، وتذهب عنه الرقة والبياض ، ومنه تحمر الوجنتان ، لأن الدم في القلب ثار وطلب الاستعلاء ، وانتفخت منه العروق ، فظهر عكسه وأثره على الخد ، فيتعدى الحدود حينئذ بالضرب والشتم ، ولا يكون هذا في الصوفي إلا عند هتك الحرمات والغضب للّه تعالى ، فأما في غير ذلك فينظر الصوفي عند الغضب إلى اللّه تعالى ، ثم تقواه تحمله على أن يزن حركته وقوله بميزان الشرع والعدل ، ويتهم النفس بعدم الرضا بالقضاء . قيل لبعضهم : من أقهر الناس لنفسه ؟ قال : أرضاهم بالمقدور . وقال بعضهم : أصبحت وما لي سرور إلا مواقع القضاء . وإذا اتهم الصوفي النفس عند الغضب تداركه العلم ، وإذا لاح علم العلم قوى القلب وسكنت النفس ، وعاد دم القلب إلى موضعه ومقره ، واعتدل الحال ، وغاضت حمرة الخد ، وبانت فضيلة العلم . قال عليه السلام : « السمت الحسن والتودد والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزء من النبوة » .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 7 .