عمر السهروردي
265
عوارف المعارف
والعزة غير الكبر ، ولا يحل لمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه ، وإكرامها أن لا يضعها لأغراض عاجلة دنيوية ، كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها . قال بعضهم للحسن : ما أعظمك في نفسك ، قال : لست بعظيم ولكنني عزيز . ولما كانت العزة غير مذمومة ، وفيها مشاكلة بالكبر ، قال اللّه تعالى : تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 1 » فيه إشارة خفية لإثبات العزة بالحق ، فالوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر ، ولا يؤيد في ذلك ولا يثبت عليه إلا أقدام العلماء الراسخين ، والسادة المقربين ، ورؤساء الأبدال والصديقين . قال بعضهم : من تكبر فقد أخبر عن نذالة نفسه ، ومن تواضع فقد أظهر كرم طبعه . وقال الترمذي : التواضع على ضربين : الأول أن يتواضع العبد لأمر اللّه ونهيه ، فإن النفس لطلب الراحة تتلهى عن أمره ، والشهوة التي فيها تهوى في نهيه ، فإذا وضع نفسه لأمره ونهيه فهو تواضع ، والثاني أن يضع نفسه لعظمة اللّه ، فإن اشتهت نفسه شيئا مما أطلق له من كل نوع من الأنواع منعها ذلك . وجملة ذلك أن يترك مشيئته لمشيئة اللّه تعالى . واعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه ، فعند ذلك تذوب النفس ، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب ، فتلين وتطيع للحق والخلق لمحو آثارها ، وسكون وهجها وغبارها . وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا عليه السلام في أوطان القرب ، كما روى عن عائشة رضي اللّه عنه في الحديث الطويل قالت : فقدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة
--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 37 .