عمر السهروردي
264
عوارف المعارف
وقال عز وجل ردا للإنسان في طغيانه إلى حده وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا « 1 » . وقال تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) « 2 » . وأبغ من هذا قوله تعالى قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) « 3 » . وقد قال بعضهم لبعض المتكبرين : أولك نطفة مذرة ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين ذلك حامل العذرة . وقد نظم الشاعر هذا المعنى : كيف يزهو من رجيعه * أبد الدهر ضجيعه وإذا ارتحل التواضع من القلب وسكن الكبر ، انتشر أثره في بعض الجوارح ، ويرشح الإناء بما فيه ، فتارة يظهر أثره في العنق بالتمايل ، وتارة في الخد بالتصعير ، قال اللّه تعالى : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ « 4 » . وتارة يظهر في الرأس عند استعصاء النفس . قال اللّه تعالى لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) « 5 » . وكما أن الكبر له انقسام على الجوارح والأعضاء تتشعب منه شعب ، فكذلك بعضها أكثف من البعض ، كالتيه والزهو والعزة وغير ذلك ، إلا أن العزة تشتبه بالكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة ، كاشتباه التواضع بالضعة ، والتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم ، والعزة محمودة . قال اللّه تعالى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ « 6 » .
--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 37 . ( 2 ) سورة الطارق : الآيات 5 - 6 . ( 3 ) سورة عبس : الآيات 17 - 19 . ( 4 ) سورة لقمان : الآية 18 . ( 5 ) سورة المنافقون : الآية 5 . ( 6 ) سورة المنافقون : الآية 8 .