عمر السهروردي

23

عوارف المعارف

وقيل : لما بعث اللّه جبرائيل وميكائيل ليقبضا قبضة من الأرض فأبت ، حتى بعث اللّه تعالى عزرائيل ، فقبض قبضة من الأرض ، وكان إبليس قد وطئ الأرض بقدميه ، فصار بعض الأرض بين قدميه ، وبعض الأرض بين موضع أقدامه ، فخلقت النفس مما مس قدم إبليس ، فصارت مأوى الشر « 1 » ، وبعضها لم يصل إليه قدم إبليس ، فمن تلك التربة أصل الأنبياء والأولياء . وكانت ذرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم موضع نظر اللّه تعالى من قبضة عزرائيل ، لم يمسها قدم إبليس ، فلم يصبه حظ الجهل ، بل صار منزوع الجهل ، موفرا حظه من العلم ، فبعثه اللّه تعالى بالهدى والعلم ، وانتقل من قلبه إلى القلوب ، ومن نفسه إلى النفوس ، فوقعت المناسبة في أصل طهارة الطينة ، ووقع التأليف بالتعارف الأول . فكل من كان أقرب مناسبة بنسبة طهارة الطينة ، كان أوفر حظا من قبول ما جاء به ، فكانت قلوب الصوفية أقرب مناسبة ، فأخذت من العلم حظا وافرا وصارت بواطنهم أخاذات ، فعلموا وعملوا ، كالأخاذ الذي يسقى منه ويزرع منه ، وجمعوا بين فائدة علم الدراسة وعلم الوراثة بأحكام أساس التقوى . ولما تزكت النفوس ، انجلت مرايا قلوبهم ، بما صقلها من التقوى ، فانجلى فيها صور الأشياء على هيئتها وماهيتها ، فبانت الدنيا بقبحها فرفضوها ، وظهرت الآخرة بحسنها فطلبوها . فلما زهدوا في الدنيا ، انصبت إلى بواطنهم أقسام العلوم انصبابا ، وانضاف إلى علم الدراسة علم الوراثة .

--> ( 1 ) هذه أمور غيبية لم يشهدها أحد لقوله سبحانه وتعالى : ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ( 51 ) [ سورة الكهف آية : 51 ] . فليس هناك دليل يسند مثل هذه الحكايات . وما ذنب الإنسان الذي خلقه اللّه مما مس قدم الشيطان حتى تكون نفسه مأوى للشر .