عمر السهروردي

215

عوارف المعارف

وبهذا الطريق استطابت الروح النغمات لأنها مراسلات بين المتعاشقين ، ومكالمة بينهما . وقد قال القائل : تكلم منا في الوجود عيوننا * فنحن سكوت والهوى يتكلم فإذا استلذ الروح النغمة ، وجدت النفس المعلولة بالهوى ، وتحركت بما فيها لحدوث العارض ، ووجد القلب المعلول بالإرادة ، وتحرك بما فيها لوجود العارض في الروح . شربنا وأهرقنا على الأرض * وللأرض من كأس الكرام نصيب فنفس المبطل أرض لسماء قلبه ، وقلب المحق أرض لسماء روحه . فالبالغ مبلغ الرجال ، والمتجوهر المتجرد من أعراض الأحوال ، خلع نعلى النفس والقلب بالوادي المقدس ، وفي مقعد صدق عند مليك مقتدر استقر وعرس ، وحرق بنور العيان أجرام الألحان ، ولم تصغ روحه إلى مناغاة عاشقه ، لشغله بمطالعة آثار محبوبه . فالهائم المشتاق لا يسعه كشف ظلامة العشاق . ومن هذا حاله لا يحركه السماع رأسا . وإذا كانت الألحان لا تلحق هذا الروح مع لطافة مناجاتها ، وخفى لطف مناغاتها ، كيف يلحقه السماع بطريق فهم المعاني وهو أكثف ، ومن يضعف عن حمل لطيف الإشارات كيف يتحمل ثقل أعباء العبارات . وأقرب من هذا عبارة تقرب إلى الأفهام ، الوجد وارد يرد من الحق سبحانه وتعالى ، ومن يريد اللّه لا يقنع بما من عند اللّه ، ومن صار في محل القرب متحققا به لا يلهيه ولا يحركه ما ورد من عند اللّه . فالوارد من عند اللّه مشعر ببعد ، والقريب واجد فما يصنع بالوارد . والوجد نار والقلب للواجد ربه نور ، والنور ألطف من النار ، والكثيف غير مسيطر على اللطيف . فما دام الرجل البالغ مستمرا على جادة استقامته ، غير منحرف عن وجه معهوده بنوازع وجوده لا يدركه الوجد بالسماع ، فإن دخل عليه فتور