عمر السهروردي
214
عوارف المعارف
فالوجد صراخ الروح المبتلى بالنفس تارة في حق المبطل ، وبالقلب تارة في حق المحق ، فمثار الوجد الروح الروحاني في حق المحق والمبطل ، ويكون الوجد تارة من فهم المعاني يظهر ، وتارة من مجرد النغمات والألحان . فما كان من قبيل المعاني تشارك النفس الروح في السماع في حق المبطل ، ويشارك القلب في حق المحق ، وما كان من قبيل مجرد النغمات ، تتجرد الروح للسماع ، ولكن في حق المبطل تسترق النفس السمع ، وفي حق المحق يسترق القلب السمع . ووجه استلذاذ الروح النغمات أن العالم الروحاني مجمع الحسن والجمال ، ووجود التناسب في الأكوان مستحسن قولا وفعلا ، ووجود التناسب في الهياكل والصور ميراث الروحانية ، فمتى سمع الروح النغمات اللذيذة ، والألحان المتناسبة ، تأثر به لوجود الجنسية ، ثم يتقيد ذلك بالشرع بمصالح عالم الحكمة ، ورعاية الحدود للعبد عين المصلحة عاجلا وآجلا . ووجه آخر : إنما يستلذ الروح النغمات لأن النغمات بها نطق النفس مع الروح بالإيماء الخفي إشارة ورمزا بين المتعاشقين ، وبين النفوس والأرواح تعاشق أصلى ، ينزع ذلك إلى أنوثة النفس وذكورة الروح ، والميل والتعاشق بين الذكر والأنثى بالطبيعة واقع . قال اللّه تعالى : وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها « 1 » وفي قوله سبحانه ( منها ) إشعار بتلازم وتلاصق موجب للائتلاف . والتعاشق والنغمات تستلذها الروح ، لأنها مناغاة بين المتعاشقين . وكما أن في عالم الحكمة كونت حواء من آدم ، ففي عالم القدرة كونت النفس من الروح الروحاني ، فهذا التآلف من هذا الأصل ، وذلك أن النفس روح حيواني تجنس بالقرب من الروح الروحاني . وتجنسها بأن امتازت من أرواح جنس الحيوان بشرف القرب من الروح الروحاني ، فصارت نفسا ، فإذا تكون النفس من الروح الروحاني في عالم القدرة ، كتكون حواء من آدم في عالم الحكمة . فهذا التآلف والتعاشق ، ونسبة الأنوثة والذكورة من ههنا ظهر ،
--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 189 .