عمر السهروردي
213
عوارف المعارف
الباب الرابع والعشرون في القول في السماع ترفعا واستغناء اعلم أن الوجد يشعر بسابقة فقد ، فمن لم يفقد لم يجد ، وإنما كان الفقد لمزاحمة وجود العبد بوجود صفاته وبقاياه ، فلو تمحض عبدا لتمحض حرا ، ومن تمحض حرا أفلت من شرك الوجد . فشرك الوجد يصطاد البقايا ، ووجود البقايا لتخلف شيء من العطايا . قال الحصري رحمه اللّه : ما أدون حال من يحتاج إلى مزعج يزعجه . فالوجد بالسماع في حق المحق ، كالوجد بالسماع في حق المبطل من حيث النظر إلى انزعاجه وتأثير الباطن به ، وظهور أثره على الظاهر ، وتغييره للعبد من حال إلى حال . وإنما يختلف الحال بين المحق والمبطل . إن المبطل يجد لوجود هوى النفس ، والمحق يجد لوجوده إرادة القلب ، ولهذا قيل : السماع لا يحدث في القلب شيئا وإنما يحرك ما في القلب ، فمن تعلق باطنه بغير اللّه يحركه السماع فيجد بالهوى ، ومن متعلق باطنه بمحبة اللّه يجد بالإرادة إرادة القلب . فالمبطل محجوب بحجاب النفس ، والمحق محجوب بحجاب القلب ، وحجاب النفس حجاب أرضى ظلمانى ، وحجاب القلب حجاب سماوي نوراني . ومن لم يفقد بدوام التحقق بالشهود ولا يتعثر بأذيال الوجود ، فلا يسمع ولا يجد . ومن هذه المطالعة قال بعضهم : الوجد نار دم كلى لا ينفذ في قول . ومر ممشاد الدينوري رحمه اللّه بقوم فيهم قوال ، فلما رأوه أمسكوا ، فقال ارجعوا إلى ما كنتم فيه ، فو اللّه لو جمعت ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همى ولا شفى ما بي .