عمر السهروردي
138
عوارف المعارف
وسبر أحوال النفس ، وأسفر السفر عن دقائق أخلاقها وشهواتها الخفية ، وسقط عن باطنه نظر الخلق ، وصار يغلب ولا يغلب كما قال اللّه تعالى إخبارا عن موسى : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ « 1 » . فعند ذلك يرده الحق إلى مقامه ، ويمده بجزيل إنعامه ، ويجعله إماما للمتقين ، به يقتدي ، وعلما للمؤمنين ، به يهتدي . وأما الذي أقام في بدايته ، وسافر في نهايته ، يكون ذلك شخصا يسر اللّه له في بداية أمره صحبة صحيحة ، وقيض له شيخا عالما يسلك به الطريق ، ويدرجه إلى منازل التحقيق ، فيلازم موضع إرادته ، ويلتزم بصحبته من يرده عن عادته . وقد كان الشبلي يقول للحصري في ابتداء أمره : إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة غير اللّه فحرام عليك أن تحضرني . فمن رزق مثل هذه الصحبة يحرم عليه السفر . فالصحبة خير له من كل سفر وفضيلة يقصدها . أخبرنا رضي الدين أبو الخير أحمد بن إسماعيل القزويني إجازة قال : أنا أبو المظفر عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري عن والده الأستاذ أبي القاسم قال : سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول : سمعت عياش بن أبي الصخر يقولك سمعت أبا بكر الزقاق يقول : لا يكون المريد مريدا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال شيئا عشرين سنة . فمن رزق صحبة من يندبه إلى مثل هذه الأحوال السنية ، والعزائم القوية ، يحرم عليه المفارقة واختيار السفر .
--> ( 1 ) سورة الشعراء : الآية 21 .