محسن باقر الموسوي

376

علوم نهج البلاغة

وحتى الجماد والصخور هي كائنات حية فكيف بالأحياء وهي بالطبع تتفجر بالحيوية . عندما يصف لنا أمير المؤمنين عليه السّلام الأرض والسماوات وما فيها من كائنات يقول : « ألا وإن الأرض التي تحملكم والسماء التي تظلكم مطيعتان لربكم وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم ولا زلفة إليكم ولا لخير ترجوانه منكم ، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا ، وأقيمتا على حدود مصالحكم فأقامتا » « 1 » . فالأرض كائن حي ؛ يأتمر بالأوامر يسدي للبشرية الخدمة تلو الخدمة . والسماوات أيضا كائن حي ؛ يأتمر بالأوامر وهو يقدم للبشرية الخدمات الكثيرة . أما الدنيا ؛ بالرغم من أنها تختلف عن الأرض والسماوات من حيث أنها ليست بمادة ملموسة ، إلا أنها تصبح كائنا حيا تتحرك تسمع وترى ويتمنى الإمام أن يقيم عليها حدود الله على ما ارتكبته من خطايا وذنوب بحق البشرية . يخاطب الإمام الدنيا : « والله لو كنت شخصا مرئيا وقالبا حسيا لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني وأمم ألقيتهم في المهاوي » « 2 » . فكل شيء في نهج البلاغة وهو ينبض بالحياة . . الإنسان والحيوان . . الشجر . . والحجر . . ففي نهج البلاغة يتعلم الإنسان أسلوب الحياة ، كيف يعيش وكيف يدرأ عن نفسه المخاطر ؟ . وحتى الموتى في نهج البلاغة يتنفسون ويسمعون فهم أحياء : كان أمير المؤمنين يحدّث قتلى الخوارج عندما مرّ بهم يوم النهروان : « بؤسا لكم لقد ضركم من غرّكم » « 3 » . وعند رجوعه من صفين مرّ بظاهر الكوفة حيث القبور فأخذ يكلّم الموتى : « يا أهل الديار الموحشة ، والمحال المقفرة والقبور المظلمة ، يا أهل التربة ، يا أهل الغربة ( يا أهل الوحدة ) يا أهل الوحشة ، أنتم لنا فرط سابق ، ونحن لكم تبع لاحق ، أمّا الدّور فقد

--> ( 1 ) باب الخطب : 143 . ( 2 ) باب الرسائل : 45 . ( 3 ) الخطب : 315 .