محسن باقر الموسوي

366

علوم نهج البلاغة

والعجب من علماء البيان والجماهير من حذّاق المعاني حيث عوّلوا في أودية البلاغة ، وأحكام الفصاحة بعد كلام الله تعالى وكلام رسوله على دواوين العرب ، وكلماتهم في خطبهم ، وأمثالهم ، وأعرضوا عن كلامه مع علمهم بأنه الغاية التي لا رتبة فوقها ، ومنتهى كل مطلب ، وغاية كل مقصد في جميع ما يطلبونه من الاستعارة والمعاني الدقيقة اللطيفة ، ولقد أثر عن فارس البلاغة وأميرها أبي عثمان الجاحظ أنه قال : ما قرع مسامعي كلام بعد كلام الله وكلام رسوله إلا عارضته إلا كلمات لأمير المؤمنين ( كرم الله وجهه ) فما قدرت على معارضتها وهي قوله عليه السّلام : « ما هلك امرء عرف قدره » ، وقوله : « من عرف نفسه عرف ربه » ، وقوله : « المرء عدوّ ما جهل » ، ومثل قوله : « استغن ممن شئت تكن نظيره ، وأحسن إلى من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره » . فانظر إلى إنصاف الجاحظ فيما قاله ، وما ذاك إلا أنه خرق قرطاس سمعه ببلاغته ، وحيّر فهمه لما اشتمل عليه من إعجازه وفصاحته ، فإذا كان هذا حال الجاحظ وله في البلاغة اليد البيضاء فكيف حال غيره . وبعد أن يذكر جملة من كلمات وأقوال أمير المؤمنين يعلق قائلا : إن كلامه عليه السّلام إذا أمعن فيه الناظر بالتفكير وبحث عن أسراره وغرائبه التقى غريز تحقق يقينا وعرف قطعا ، أنه كلام من استولى على علم البلاغة بأسره وأحرزه بحذافيره ، وأنه ظهر من مشكاة اتقدت فيها مصابيح الحكمة ، فأنار على الخليقة ضياؤها وجادهم وابلها وهطلت عليهم سماؤها . ثم يستشهد بكلام أمير المؤمنين عن بلاغته : وعن هذا قال أمير المؤمنين في بعض كلامه : « نحن أمراء الكلام ، وفينا تشبثت عروقه ، وعلينا تهدّلت أغصانه » « 1 » . هذا رأي من سبق من علماء البلاغة ، أما رأي المعاصرين فليس بأقل من رأي الأقدمين في الإشادة بكلام أمير المؤمنين عليه السّلام : يقول سيد نوفل : وكان عليّ كذلك من أنصار السهولة فعرّف البلاغة أنها إيضاح

--> ( 1 ) الطراز : 1 / 165 .